Skip navigation

التَغَيٌّرَاتْ الَّتِي تَطْرَأ عَلَى

 

جِسْمْ الِإنْسَانْ بَعْدَ الْمَوٌتْ

 

Changes Affect Human Bodies after Death

إعداد

 

أحمد مٌصْطَفَى كَمَالْ البَوَّابْ

Ahmed Mustafa Kamal Al-Bawab

عَبْدْ السَّتَّار مُحَمَّدْ دِيَابْ

Abdulsattar Muhammed Diab

 

(كُلِّيَّة الطِّبّْ- جامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصِّحيَّة)

College of Medicine, KSAU-HS

التغيُّرات التي تطرأ على جسم الإنْسان بعد الموت

 

مُقدِّمة

من المقبول القول أنه إذا حدث توقف للقلب بصورة غير رجعية، فإن الشخص قد فارق الحياة، و عندها سوف تتوقف جميع خلايا الجسم عن أداء الوظائف الأيضيَّة الطبيعيَّة، و سوف تبدأ عمليات تحلُّل و تعفُّن الجسم.

و بشكل أساسي، فإنه يمكن تحديد هذه التغيرات بيوكيميائياً فقط؛ إذ تبدأ الخلايا بتنشيط المسار الأيضي الذي يعمل على تحلل الخلية ذاتياً. و في نهاية المطاف، فإن هذه التغيرات التي تطرأ على خلايا الجسم تصبح بارزة للعيان. و تمتلك هذه التغيرات أهميتها لسببين. الأول: لأن هناك حاجة من قبل الطبيب لمعرفة الأحداث الطبيعيَّة  لتحلُّل الجُثَّة، و بالتالي كي لا يتم الخلط بين التغيرات الطبيعيَّة التي تطرأ على الجسم و حدوث الموت بشكل غير طبيعي. و ثانياً: أن هذه المشاهدات المُتعلِّقة بالموت الطبيعي قد تُستخدم لتقدير الفترة الزمنية التي مضت على حدوث الوفاة (PMI).

إن مظهر الجسم بعد الوفاة يعكس التغيرات التي تعتمد على الفترة الزمنية التي مضت على الوفاة. إلا أن مصداقية و دقَّة الدلائل التقليدية للفترة الزمنية المُنصرمة بعد الوفاة أصبحت مجالاً متزايداً للجدل. حيث تعتمد هذه المظاهر على عوامل بيئية و حيوية غير مفهومة بشكل كامل.

الفترة القريبة المنصرمة بعد الوفاة مباشرة

التغيرات السريعة عقب الموت

عند توقُّف القلب و إنقطاع التنفُّس، يحدث هبوط مباشر في ضغط الدَّم كما يتوقف إمداد خلايا الجسم بالأكسجين. مبدئياً، يمكن للخلايا أن تستخدم المسارات الأيضية اللاهوائية Anoxic pathway)) حتى تُستنفذ مخازنها الأيضيَّة، ثم يبدأ بعد ذلك أيضها بالإنحدار. و مع فشل النشاط العصبي تتوقف جميع النشاطات العصبيَّة و تُفقد الإنعكاسات و يتوقف التنفس. و في العين يتوقَّف إنعكاس القرنية و يتوقف تفاعل بؤبؤ العين مع الضوء. و إن فحص الأوعية الدموية في شبكية العين بإستخدام منظار العين يوضِّح حدوث تشقُّقات في الاوعية الدموية. و تفقد العين الضغط بداخلها.

ترتخي العضلات بشكل سريع (الإرتخاء الإبتدائي) مع فقدان الإستجابة للمؤثرات. إلا أنها قد تستعيد نشاطها و تستجيب لعملية اللَّمس و الهزّْ و الصور الأخرى للتحفيز لعدة ساعات بعد توقف القلب. و إن الإفرازات الناتجة عن الأعصاب الحركية الميِّتة قد تحفِّز مجموعات صغيرة من خلايا العضلات، بالرغم من تضاؤل ذلك مع مرور الوقت.

إن الإنخفاض في ضغط الدَّم و إنقطاع الدورة الدموية غالباً ما يجعل الجلد و الملتحمة و الأغشية المخاطية باهتة اللَّون. و قد يبقى الجلد في منطقة الوجه و الشفاه أحمر أو أزرق اللَّون في حالات الوفاة الناتجة عن نقص الأكسجين. و تموت بصيلات الشعر في نفس الوقت الذي يموت فيه الجلد. و ليس صحيحاً ما يُقال من إستمرارية نمو الشعر بعد الوفاة.

إن فقدان إستجابة العضلات قد يتسبَّب في خروج البول، و هو مظهر شائع الحدوث، و ليس له علاقة بالموت الناتج عن حالات الصرع أو الإختناق. كما أن دفق المنى يمكن أن يتواجد في بعض حالات الوفاة؛ و لذلك، فإن وجود المني لا يمكن إستخدامه كدليل على حدوث نشاط جنسي قبل الوفاة بوقت قصير.

إن إسترجاع محتويات المعدة حدث شائع في حالات الإنهيار النهائي. و هو كذلك أحد مضاعفات الإنعاش القلبي الرئوي. و يمكن التعرُّف على محتويات المعدة في الفم أو مجرى الهواء بكميات مُعتبرة في جميع الجثامين قريباً. و إن وُجود هذه المواد لا يمكن إستخدامها كدليل على أن خروج محتويات المعدة هي السبب في حدوث الوفاة مالم يتم تدعيم ذلك من قِبَل شاهد عيان أو من خلال مشاهدات مجهرية لمخلفات الطعام في مجاري الهواء بالإرتباط مع حدوث إستجابة إلتهابية.

 

تصلُّب الموتى Rigor mortis

يمكن تعريف تصلُّب الموتى بأبسط صوره على أنه تغيُّر فيزيائي كيميائي يعتمد على التغيُّر في درجة الحرارة ينشأ داخل الخلايا العضلية كنتيجة لفقدان الأكسجين. و يعني فقدان الأكسجين أنه لا يمكن الحصول على الطاقة من الجليكوجين عبر الجلوكوز بإستخدام الأكسدة الفوسفوريَّة؛ و ينتج عنه توقُّف إنتاج مركَّب الطاقة ATP. و عليه، فإن العمليات اللاهوائية تأخذ مجراها لفترة قصيرة من الوقت و لكن مع تراكم حمض اللاكتيك، و هو الناتج العرضي لعملية التنفُّس اللاهوائي. و من ثَّم يصبح الوسط داخل سيتوبلازم الخلايا حمضياً. و مع الإنخفاض في مستوى مركَّب الطاقة ATP و إرتفاع الحموضة داخل الخلايا تتلاصق ألياف الأكتين و الميوسين معاً مكونة مادة هلامية. و تكون المحصِّلة النهائية الناتجة عن هذا التغيُّر الأيضي الخلوي المعقَّد هو تصلُّب العضلات. بالرغم من ذلك، فإن هذه العضلات لا تتقلَّص مالم تتعرض لضغط. و من الحديث السابق يتضح أنه إذ إنخفض مستوى الجليكوجين في العضلات، و إذا أصبحت الخلايا العضلية حمضية وقت الوفاة، كنتيجة للتمارين الرياضيَّة، فإن عملية التصلُّب العضلي سوف تتطور بشكل أسرع. و كذلك في حالات الصعق الكهربي يحدث التصلُّب العضلي بشكل سريع، و هذا قد يحدث بسبب التحفيز المتكرِّر للعضلات. و بشكل عكسي، في صغار السِّن و في كبار السِّن أو في الأفراد المصابين بالهزال الجسدي، فقد يكون من الصعب جداً إكتشاف تصلُّب العضلات بسبب قِلَّة الكتلة العضلية.

إن تصلُّب عضلات الموتى يتطوَّر بشكل غير متوازن في أجزاء الجسم المختلفة، و لكن، بشكل عام، يمكن تحديده مبدئياً في المجاميع العضلية الصغيرة؛ مثل تلك العضلات المتواجدة حول العين و الفم و الفكّْ و الأصابع. و يبدو أن عملية التصلُّب تتقدّم في إتجاه أسفل الجسم من الرأس إلى الأقدام، حيث تبدأ العضلات الأكبر حجماً بالتصلُّب أولاً. إن الإستخدام الوحيد لأهميَّة وجود أو غياب تصلُّب العضلات يقع في تقيِّم وقت الوفاة. و الكلمة المستخدمة هنا هي “تقيِّم”، و ذلك أن عملية تصلُّب العضلات عملية متباينة لا يمكن لها أبداً أن تُعطي صورة دقيقة لوقت حدوث الوفاة. و يجب أخذ الحذر الشديد عند محاولة تحديد وقت الوفاة إعتماداً على درجة و مدى تصلُّب العضلات. و إن الجداول أو الرسوم البيانية المعتمدة على تحديد وقت الوفاة من خلال تصلُّب العضلات يجب التعامل معها بحرص شديد. و بحدّْ ذاته، فإن تصلُّب العضلات بعد الوفاة له قيمة بسيطة جداً كدليل على الفترة المنصرمة بعد الوفاة، و ذلك بسبب العوامل الكثيرة المؤثرة عليه. إن العمليات الكيميائية التي تتسبب في تصلُّب العضلات، كما هو الحال مع جميع التفاعلات الكيميائية، تتأثر بدرجة الحرارة. فدرجة الحرارة المنخفضة تُبطيء من سرعة التفاعل و العكس بالعكس. ففي الأجسام الباردة، سوف تتأخر بداية عملية تصلُّب العضلات، في حين أن الأجسام التي تقبع في بيئات دافئة سوف تحدث عملية تصلب العضلات لديها بشكل أسرع. و من الضروري كذلك الإنتباه إلى الوسط الدقيق حول الجسم عند معاينة عملية تصلُّب العضلات. فالجسم الممدَّد أمام النَّار أو في حمَّام مائي حار سوف يتطوَّر لديه تصلُّب العضلات بشكل أسرع فيما لو كان الجسم ملقي خارجاً تحت البرد. و عندما تكون عملية التبريد بعد الوفاة للجسم شديدة، فإن تصلُّب الجسم قد ينشأ من التأثيرات الفيزيائية لعملية التبريد أو التجميد أكثر من كونها سبب عملية تصلُّب العضلات. و يمكن أن يتضح هذا عند تحريك الجسم إلى منطقة أدفأ (غالباً عند نقل الجثمان إلى مكان الدَّفن)، و إن عملية التصلُّب الناتجة عن التبريد سوف تختفي مع تدفئة الجسم. و بإستمرار ومتابعة الجثمان، فقد يتضح حدوث التصلُّب الحقيقي و الذي يأخذ مساره من خلال المسارات الكيميائية الخلوية.

و في المناطق معتدلة المناخ، يمكن تحديد عملية تصلُّب العضلات بشكل عام في الوجه بين حوالي الساعة و الأربع ساعات من وقت الوفاة، و في الأطراف بين حوالي 3-6 ساعات بعد الوفاة، مع وصول وتيرة التصلُّب أقصاها عند حوالي 18 ساعة بعد الوفاة. و بمجرّد تحديده، فإن تصلُّب العضلات عقب الوفاة يستمر لحوالي 50 ساعة تقريباً بعد الوفاة حتى حدوث التحلُّل الذَّاتي و تفكُّك خلايا العضلات، عندئذ ترتخي العضلات مرة أخرى. إلا أن هذه الفترات الزمنية التي تمَّ الإشارة لها هي مجرَّد خطوط إرشاديَّة فقط، و لا يمكن أن تكون أكيدة بحال من الأحوال.

صورة 

هذا الشخص متوفِّي بشكل طبيعي من حوالي 10 ساعات. لاحظ وضعية الأذرع في الوضع القائم و هذا بسبب ظاهرة تصلُّب الموتى. و سوف يبقى الجسم متصلباً لمدة تتراوح بين 24- 36 ساعة قبل أن يبدأ إرتخاء العضلات

و من الأفضل إختبار التصلُّب بين المفاصل بإستخدام ضغط خفيف جداً من إصبع أو إصبعين فقط. و إن الهدف من ذلك هو تحديد التصلُّب و مدى إمتداده و ليس كسره. و إذا تعرَّض التصلُّب للكسر، بإستخدام الكثير من القوَّة، فإن هذه المجاميع العضلية لا يمكن إختبارها بثقة مرة أخرى.

التصلُّب المباشر للجثث بعد الموت

يُقال أن التصلُّب المباشر للجثث بعد الموت (Cadaveric Rigidity) هو تصلُّب (Stiffness) العضلات التي حدث فيها التصلُّب مباشرة بعد الموت، و إن أساس هذا المفهوم هو وجود بعض المواد التي تم قبضها بإحكام في أيادي المتوفين قبل بدء الفترة الطبيعية لتصلُّب عضلات الموتى. و في معظم الحالات يُقال أن ذلك له علاقة بالأفراد الذين يكونون عند مستويات عاطفية عالية أو تحت ضغوط نفسية قبل الوفاة مباشرة. و قد يُسجَّل هذا النوع من التصلب العضلي المباشر لدى  الجنود المحاربين في أرض المعركة؛ إلا أن هناك العديد من التقارير التي تحدَّثت عن أفراد تم إنتشالهم من الأنهار و كانوا يقبضون على أعشاب  أو أغصان في أيديهم بشكل قوي. و في الأشخاص الذين يقومون بإطلاق النار على أنفسهم في حالات الإنتحار و جد أنهم يقبضون على زناد الإطلاق بشكل مُحكم. و يُعتقد أن آلية هذه الظاهرة ربما تكون عصبيَّة؛ إلا أنه لا يُوجد تفسير علمي مُقنع لذلك قد تم إعتماده. إلا أنه من الواضح أن هذه الظاهرة لا تتبع نفس العمليات الكيميائية كتصلُّب العضلات الحقيقي الذي يحدث بعد عدة ساعات من الوفاة.

صورة

لاحظ تصلُّب الأصبع على زناد الإطلاق بعد عملية الإنتحار

ترسُّب الدَّم عقب الموت

إن إنقطاع دوران الدَّم و إنخفاض إستجابة عضلات الأوعية الدمويَّة يسمح بحركة بسيطة للسوائل كي تحدث داخل الأوعية الدمويَّة. إن ترسُّب الدَّم أو وُجود حياة في أجزاء معيَّنة من جسم الشخص المتوفي هي المصطلحات المستخدمة لوصف المظاهر المرئية لهذه الظاهرة. نظرياً هناك تيارات تحدث بين المناطق الدافئة و المناطق الباردة من جسم الشخص المتوفي، و قد يكون هذا ضرورياً في إعادة توزيع العقاقير و المواد الكيميائية بعد حدوث الوفاة. كما أن هناك أيضاً إمتلاء للأوعية الدموية المستقلَّة. إن عملية الترسب التلقائي (السلبي) لخلايا الدَّم تحت تأثير الجاذبية على الأوعية الدموية في الأطراف السُفلية للجسم له أهمِّيته في الطِّب الجنائي. فهذا يتسبَّب في ظهور لون زهري أو لون أزرق في هذه المناطق السُّفلية. و هذه التغيرات اللونيَّة ناتجة عن إنخفاض جريان أو ترسُّب الدَّم عقب الوفاة. إلا أن المظاهر الناتجة عن ترسُّب الدَّم عقب الوفاة لا تشاهد في جميع الجثامين. فقد تغيب هذه المظاهر في صغار السِّن و في كبار السِّن و في الأفراد الذين يعانون إكلينيكياً من فقر دموي أو في أُولئك الأشخاص الذين قضوا نحبهم بسبب نزف دموي غزير. كما قد تختفي هذه المظاهر في الأفراد المتوفين ذوي البشرة الداكنة، و في حالات الأفراد الذين يعانون من حالات اليرقان (الصفراء)، و كذلك في بعض أمراض الجلد. و في ظاهرة ترسُّب الدَّم يحدث أن تنتفخ الأوعية الدموية السطحيَّة بالدَّم. و إن إنضغاط الجلد بسبب التلاصق مع سطح قاسي، على سبيل المثال، سوف يمنع هذا الإنتفاخ، و سوف يتسبَّب في ظهور مناطق شاحبة بشكل كُلِّي أو جزئي مع مناطق إنخفاض جريان الدَّم. إن مناطق الشحوب النسبي مع مناطق إنخفاض جريان الدَّم قد تنتج أيضاً بسبب الضغط الناتج عن الملابس أو بسبب إحتكاك مناطق الجسم مع بعضها، و في هذه الحالة تحدث صورة متطابقة من الشحوب في كلا الجهتين المتلاصقتين من الجسم. و إن موقع و توزيع ترسُّب الدَّم يجب أخذه في الحسبان على ضوء وضعية الجسم بعد الوفاة. فالجسم المتروك متدلياً بعد الشنق سوف يتطوَّر لديه بطء عميق في ترسيب الدَّم في الأطراف السُفلية و الأيادي، مع عدم وضوح تلك الظاهرة على الجذع (الرأس و الصدر و البطن)، في حين أن الجسم الذي يتدلى فيه الرأس جزئياً في بداية الوفاة خارج السرير سوف تظهر معظم الأثار الناتجة عن ترسُّب الدَّم في الرأس و المنطقة العليا من الصدر. و إذا كانت وضعية الجسم أن يكون الوجه للأسفل أو أن يكون الرأس أدني من باقي أجزاء الجسم، فإن ترسُّب الدَّم سوف يُسبِّب مُشكلة حقيقية في إجراء التفسير. إن ترسُّب الدَّم في الأنسجة الرخوة نسبياً للوجه يمكن أن يؤدي إلى حدوث إحتقان شديد و تكوين لطخات نزفية في الجلد الخاص بالوجه و في ملتحمة العين، مما يُعطي إنطباعاً بإحتمالية وجود ضغط حول العنق. إن المناطق الشاحبة حول الفم و الأنف يمكن كذلك أن تُعطي إنطباعً حول الضغط الذي حدث لهذه المناطق مما يوحي بالإختناق. و في هذه الحالات يجب على أخصائي الأمراض محاولة إستثناء عامل الضغط على الفم و الأنف و العنق و إستبعاد دورها في عملية الوفاة من خلال الفحص المتأني و تشريح هذه الأجزاء عقب إزالة القلب و الدماغ و البحث عن الكشوط و الإصابات في الجهاز الهيكلي.

صورة

تأثير ترسُّب الدَّم بعد الموت على الجثمان

و يتفاوت اللَّون الناتج بسبب ترسُّب الدَّم، و قد يتراوح من اللُّون الزهري إلى الزهري الغامق إلى البنفسجي الغامق. و في بعض حالات إنقطاع الأكسجين تظهر الأنسجة باللون الأزرق. و على العموم، لا يجب محاولة إجراء أي إستنتاج حول سبب الوفاة من خلال هذه الألوان المتباينة. إلا أنه بالرغم من ذلك فهناك بعض التغيرات اللونية التي يمكن أن تعمل كأدلة على السبب المحتمل لحدوث الوفاة. فاللون الزهري الكرزي يوحي بتسمُّم غاز أول أكسيد الكربون. و قد يرتبط اللون الأحمر الغامق مع التسمُّم بمادة السيانيد و الإصابة ببكتيريا Clostridium perfringes.

و بشكل متكرر يظهر على الأجسام المحفوظة في البرادات لون زهري في أماكن ترسب الدَّم. و في حين يُشاهد اللون الزهري الناتج عن ترسُّب الدَّم في ضحايا إنخفاض درجة حرارة الجسم، فقد يظهر لديهم العديد من الصبغ الزهري الأحمر فوق المفاصل و خاصة الكبيرة منها. و إن السبب الدقيق لذلك غير معروف، إلا أن ذلك قد يُمثِّل إصطباغ ناتج عن تحلُّل دموي.

إن الوقت المطلوب كي يتضح ترسُّب الدَّم متباين بشكل كبير لدرجة أن ليس له دور في تحديد وقت الوفاة. كما أن لحركة الجسم دور في ترسُّب الدَّم، إذ تستمر كريات الدَّم الحمراء بالحركة تحت تأثير الجاذبية. و حتى بعد عملية التجلُّط الطبيعي للدَّم التي تحدث عقب الوفاة، فإن حركة كريات الدَّم الحمراء تستمر بالرغم من بطئها الشديد. و إن هذه القابلية المستمرة لكريات الدَّم الحمراء للتحرُّك لها أهميتها، ذلك لأن التغيرات في وضعية الجسم بعد التطوُّر الأولي لترسُّب الدَّم سوف يتسبب في إعادة توزيع ترسُّب الدَّم، و قد يُظهر إختبار جسم المتوفي في هذه الحالات نموذجين متداخلين.

  

تبريد الجسم بعد الوفاة

يمكن النظر إلى تبريد الجسم بعد الوفاة على أنها خاصِّيَّة فيزيائية بسيطة لمادة دافئة في بيئة أبرد. و ينص قانون نيوتن للحرارة أن الحرارة سوف تعبر من الجسم الدافي إلى الوسط البارد، و عليه سوف تهبط درجة حرارة الجسم. بالرغم من ذلك، فإن الجسم ليس تركيباً متجانساً، أي أن درجة حرارته لن تهبط بشكل متساو، و لأن كل جسم سوف يقبع في الوسط الفريد الخاص به، فإن كل جسم سوف يبرد عند سرعة مختلفة، و ذلك إعتماداً على العديد من العوامل المحيطة به. و لكي يتم إستخدام درجة حرارة الجسم كمؤشر على وقت الوفاة، فإنه يجب إجراء ثلاث إفتراضات جنائية:

1-   الإفتراض الأول أن درجة حرارة الجسم وقت الوفاة كانت 37 مئوية. بالرغم من ذلك، فإن العديد من العوامل تؤثر على درجة حرارة الجسم أثناء الحياة، بما في ذلك تباين درجات الحرارة خلال فترة 24 ساعة (التباين اليومي)، و كذلك النشاطات الفردية، و التمارين الرياضية، و الإصابة بالميكروبات، و الدورة الشهرية.

2-   الإفتراض الثاني هو هل من الممكن أخذ درجة حرارة واحدة أو ربما عدد من درجات الحرارة بعد الوفاة بإستخدام صيغة حسابية للحصول على تقدير موثُق به للوقت الذي إستغرقه الجسم كي يبرد لدرجة الحرارة التي تمَّ قياسها؟

3-   الإفتراض الثالث هو هل الجسم قد وُجد في وسط ثابت حراريا؟. و هذا بشكل عام لا يحدث، فحتى الأجسام التي تتواجد في أوساط داخلية محميَّة قد تخضع للتغيرات اليومية لنظام التبريد المركزي. في حين أن الإختلافات في درجات الحرارة التي تؤثِّر على الأجسام الموجودة في العراء كبيرة جداً لدرجة عدم إمكانية الحصول على متوسِّط لهذه الدرجات. هناك العديد من العوامل كذلك التي يمكن أن تؤثر على معدَّل التبريد للجسم؛ و هذه العوامل معاً تُظهر مدى صعوبة إجراء تقدير حول وقت الوفاة إستناداً على درجة حرارة الجسم فحسب.

و من أمثلة العوامل التي تؤثِّر على معدَّل تبريد الجسم:

-         كتلة الجسم

-         المساحة السطحية للجسم

-         درجة حرارة الجسم عند الوفاة

-         المواقع التي تم أخذ درجات الحرارة منها

-         وضعية الجسم- هل هو مُمدَّد أم مُنحني

-         الملابس. طبيعة المادة المصنوعة منها الملابس، وضعية الملابس على الجسم أو عدم وجود ملابس على الجسم.

-         السُّمنة. إذ تعتبر الدهون عازل جيد للحرارة

-         الهزال. فقدان الكتلة العضلية تسمح ببرود الجسم بسرعة

-         درجة حرارة الوسط المحيط

-         الرياح، و الأمطار و الرطوبة

التغيرات الأخرى التي تطرأ على الجسم بعد الموت

و مع مرور الوقت عقب الوفاة، فإن الجسم يخضع للمزيد من التغيرات التي تعكس تحلُّل الأنسجة و عملية التحلل الذاتي و التفسُّخ و التعفُّن.

 

التفسُّخ و التعفُّن

في دورة الحياة، فإن الأجسام الميِّتة في الغالب، من خلال إختزالها إلى مكوناتها الأصلية، تعود إلى مصدرها الكيميائي الأساسي و هو الأرض. بعض هذه المكوِّنات سوف تؤدي ذلك من خلال دخولها السلسلة الغذائية عند أي مستوى، في حين أن مواد أخرى سوف تُختزل إلى مركبات كيميائية أبسط من خلال عمليات التحلُّل الإنزيمي الموجودة داخل الأجسام الحالَّة Lysosomes)) لكل خليَّة.

أن التغيرات المُبكِّرة لعملية تحلُّل الجسم بعد الوفاة لها أهميتها، و ذلك بسبب إحتمالية إشتباه رجال الأمن أو أفراد العامَّة بأن ذلك علامة من علامات العنف أو إصابة مسبِّبة للوفاة.

تنشأ عملية تحلُّل الجسم بسبب تفكُّك مكونات الأنسجة الرخوة مع مرور فترة من الوقت، و التي يكون مظهرها و معدَّل حدوثها هو من مسئولية درجة الحرارة المحيطة. فدرجات الحرارة الأدفأ يُعجِّل بعملية تحلُّل الجسم و يُسرِّع من حدوثها. و في الأوساط المعتدلة، فإنه في الغالب يمكن مشاهدة أثار التحلُّل بالعين المُجرَّدة خلال اليوم الثالث إلى اليوم الرابع من الوفاة كمنطقة خضراء في الحفرة الحرقفيَّة اليُمنى Right Iliac) fossa) لجدار البطن الأمامي. إن عملية الإخضرار هذه ناتجة عن نمو البكتريا المعويَّة خلال جدار الأمعاء مروراً بالجلد حيث تقوم بتحليل الهيموجلوبين، مما يُعطي هذا اللون الأخضر. إن الحفرة الحُرقفيَّة اليُمنى هي المنشأ الغالب لهذا التلوُّن، إذ المصران الأعور  (Cecum) يقع بالقرب من جدار البطن عند هذه النقطة.

إن هذا اللون الأخضر الذي يظهر على الجُثَّة هو دليل خارجي على التغيرات الكبيرة التي تحدث داخل الجسم، حيث تجد بكتيريا الأمعاء طريقها خارج تجويف الأمعاء إلى تجويف البطن و الأوعية الدموية. و تمنح الأوعية الدموية قنوات ممتازة يمكن للبكتيريا من خلالها العبور بنوع من البساطة إلى باقي أجزاء الجسم. و إن مرور هذه البكتريا يُستدل عليه من خلال تحلُّل الهيموجلوبين و الذي عند وجوده في الأوعية الدموية السطحيَّة يؤدِّي إلى حدوث أشكال لتفرعات خيطيَّة متباينة الألوان يُطلق عليها “الترخيم Marbling”.

و مع مرور الوقت يزول لون الجلد، و مع إنفصال الطبقات السطحية للجلد تتكوَّن بثور تحتوي على سوائل حمراء أو بُنِّية اللون في مناطق عديدة. و عند إنفجار هذه البثور يتساقط الجلد. و يتكوَّن الغاز بكميات كبيرة في الأنسجة الرخوة و في تجويف الجسم، و يبدأ الجسم بالإنتفاخ مع حودث الإنتفاخ في منطقة البطن و الوجه و الأثداء و المنطقة التناسلية. و إن زيادة الضغط الداخلي سوف يتسبب في بروز العيون و اللسان و يدفع السوائل المصبوغة بالدَّم أعلى من الرئتين و التي ترتشح في العادة من خلال الفم و الأنف. و بشكل متكرِّر من الممكن إساءة تفسير مثل هذه السوائل من قِبَل الأفراد غير ذوي الخبرة و ربطها بالتغيرات المرتبطة بتحلل الجسم، و تفسير هذه الأحداث على أنها نزف دموي مرتبط بالتعرُّض للإصابة.

و مع تقدُّم عملية تفسُّخ الجسم تبدأ الأنسجة الرخوة بالتحلُّل. بالرغم من ذلك فإن البروستاتا و الرحم أعضاء مقاومة نسبياً لعملية التحلُّل، و ربما تبقى هذه الأعضاء حيَّة لعدة أشهر كما هو الحال بالنسبة للأربطة و الأوتار. و في خاتمة المطاف، فإن عملية الهيكلة العظمية سوف تكتمل. و مالم يتم تدمير العظام من قبل الحيوانات، فقد تبقى العظام لسنوات عديدة.

ليس من الممكن بناء جدول زمني لعملية التحلُّل و ذلك يعود إلى تباين الظروف البيئيَّة التي قد تُسرع أو تُبطيء من عملية التحلُّل، و إن مثل هذه العوامل لن تكون بالعموم معلومة لأولئك الأفراد الذين يعملون على التحقُّق من عملية الوفاة.

الغمر بالماء و الدفن

إن غمر الجُثَّة بالماء أو دفنها سوف يُبطيء من عمليات تحلُّلها. و ينُص قانون كاسبر (Casper`s law) على أنه عند تساوي جميع العوامل الأخرى و عندما يكون هناك عبور حرّْ للهواء، فإن الجسم يتحلَّل مرتين أسرع فيما إذا تم غمره في الماء و ثمانية مرات أسرع فيما لو تم دفنه في الأرض. إن درجة حرارة الماء- في الغالب- أقل من تلك على اليابسة. و قد يتَّخذ الجسم في الماء عدة أوضاع، إلا أن الوضع الأكثر شيوعاً في المرحلة المبكرة هو، مع وجود الهواء في الصدر، أن يطفوا الجسم أعلى سطح الماء بحيث يكون الراس و الأطراف متدلِّية لأسفل. بعد ذلك تبدأ عملية ترسيب كريات الدَّم و تظهر أثارها على الرأس و الأطراف. و قد تتعرض هذه الأطراف للضرر عند إحتكاكها بالقاع إذا كانت المياه ضحلة.

إن أول التغيرات التي تؤثر على الجثامين المتواجدة في المسطحات المائية هو فقدان الطبقة الخارجية للجلد. يعقب ذلك التحلل الناتج عن تكوُّن الغازات في الجسم. و في العادة، و لكن ليس دائماً، فإن الجسم المنتفخ يبقى على سطح الماء بسبب هذه الغازات المتواجدة بداخله لحوالي الأسبوع. إلا أن هذه المدَّة تتباين بشكل كبير. و في المياه سوف تُستبدِل الحيوانات البرِّيَّة (في حال الجثث الموجدة على اليابسة) بالكائنات المائية المفترسة، و لهذه الكائنات القُدرة على تدمير الجسم بشكل كبير.

إن تعرُّض الجُثثْ للماء قد يؤدِّي في بعض الأحيان إلى تكوين موميات دهنية، إلا أن ذلك غير غالب مالم يكن الجسم تحت الماء لعدة أسابيع. و إن التأثيرات و الجدول الزمني للتغيرات التي تعقب عملية الدفن متباينة بشكل كبير و القليل يمكن قوله، بجانب أن الأجسام المدفونة تتحلل بشكل أبطأ عموماً، خاصَّة إذا تم دفنها عميقاً تحت سطح الأرض. و إن مستوى الرطوبة في التربة المحيطة و درجة حموضة التربة سوف يؤثر كلاهما بشكل كبير على سرعة تحلُّل الجُثث.

التحنُّط الدُهني Adipocere

التحنُّط الدهني هو تغيُّر كيميائي لدهون الجسم و التي تتحلَّل مائياً لتتحوَّل إلى مركبات شمعية ليست مختلفة عن الصابون. إن الحاجة لوجود الماء يعني أن هذه العملية تُشاهد بشكل شائع في الأجسام المتواجدة في الأوساط الرطبة (مثل الأجسام المغمورة في الماء أو المدفونة في أرضية رطبة)، إلا أن ذلك لا يحدث دائماً. إذ أن بعض الأجسام المتواجدة في الأقبية الجافَّة وُجدت على شكل أجسام دُهنية محنَّطة. و من المُعتقد أن كمِّيَّة الماء الموجودة في الجسم كانت هي بذاتها كافية لعملية التحلُّل المائي للدهون.

و في المراحل المبكِّرة لتكوُّن الموميات الدهنية فإن هذه الأجسام المُحنَّطة تكون شاحبة اللون و دهنية و ذات رائحة زنخة و تتكون من مادة شبه سائلة مع إنبعاث رائحة كريهة من الجُثَّة. و عن تقدُّم عملية التحلُّل المائي فإن مواد الجسم تُصبح أكثر هشاشة و أكثر بياضاً، و عندما تكتمل عملية التحنُّط الدهني للجُثَّة يتحوَّل لون الجُثَّة المُحنَّطة إلى اللُّون الرمادي و تصبح قاسية شمعية التكوين و تحتفظ بكامل ملامح الجسم.

إن السرعة التي تتكون فيها الموميات الدهنية تبدوا متباينة. و من المتوقع أن يستغرق ذلك في الغالب عدة أسابيع إلى عدة أشهر. إلا أن هناك تقارير تفيد بأن عملية التحوُّل هذه قد حدثت في فترة قصيرة بلغت ثلاثة أسابيع. و إذا كانت الظروف مواتية، فإن عملية التحنُّط الدهني يمكن أن تحدث كذلك للأجسام التي تقبع في أماكن يحدث فيها التعفُّن.

التحنيط (Mummification)

إن الأجسام التي تتواجد في ظروف جافَّة، سواء أكان ذلك جفاف الطقس أو جفاف في مكان تواجد الجثمان، قد تجفّْ بدلاً من أن تتعرض لعملية التعفُّن، العملية التي تُعرف بالتحنيط. إن الأنسجة المُحنَّطة تبدوا جافة و متجلِّدة و غالباً بُنِّيَّة اللون. و يُشاهد تكوُّن هذه الأجسام بشكل أكثر شيوعاً في البيئات الدافئة أو الحارة مثل الصحاري. و هذا أدَّى إلى تحنيط ذاتي للأجسام التي دُفنت في صحراء مصر. بالرغم من ذلك، فليس فقط الأجسام المتواجدة في المناطق الحارة الجافَّة هي التي يمكن أن تتعرض لعملية التحنيط، إذ أن الوسط الدقيق حول الجثمان الضروري لعملية التحنيط قد يتواجد في أي مكان. بالرغم من ذلك، فإن عملية التحنيط أكثر إحتمالية لحدوثها في الأفراد الأنحف الذين سوف تبرد أجسامهم و تجف بشكل سريع.

و ليس من الضرورة أن تتم عملية تحنيط الجثة على جميع أجزاء الجسم. فقد تُظهر بعض أجزاء الجسم عملية التحلُّل الطبيعيَّة التي تحدث للأنسجة الرخوة و يظهر الهيكل العظمي أو تتكوَّن المومياء الدهنيَّة، وهذا كله يعتمد على الظروف المحيطة بالجثمان. إن الأنسجة التي تعرضت لعملية التحنيط ليست بمنأى عن عملية التحلُّل و التعرُّض للحيوانات القارضة و الخنافس و حشرات العثّْ، و بشكل خاص عثّْ المنزل البُنِّي في المناطق معتدلة المناخ.

ظهور الهيكل مي العظSkeletalization

إن السرعة التي تظهر فيها الهياكل العظمية للجثث تعتمد على العديد من العوامل بما في ذلك الظروف المناخية و الأوساط المحيطة بالجثامين. و سوف يتطلَّب ظهور الهياكل العظمية وقت أقَل في الأجساد الموجودة على سطح الأرض من تلك الأجساد الموارة في التراب. و بكلمة عامَّة، ففي الأجسام المدفونة بشكل رسمي، فإن الأنسجة الرخوة سوف تختفي من الجسم في السنة الثانية. و إن الأربطة و الأوتار و الشعر و الأظافر سوف يمكن التعرُّف عليها لبعض الوقت بعد ذلك. و بعد خمس سنوات من عملية الدفن سوف تتعرى كامل العظام و تتفكك بالرغم من وجود بعض الأربطة المفصلية لعدة سنوات أخرى. و لعدة سنوات، فإن العظام سوف تبدو دهنية بشكل بسيط و إذا تم قطعها بالمنشار قد تظهر خصلة من الدخان تحمل رائحة إحتراق لمواد عضوية. و إن فحص تجويف نخاع العظم قد يُظهر بقايا مواد عضوية و التي قد تكون في بعض الأحيان مناسبة لتحليل المادة الوراثية (DNA).

صورة

               صورة توضِّح تكوُّن الهيكل العظمي

إن إختبار السطح المقطوع من العظام الطويلة تحت الأشعة فوق البنفسجيَّة (UV) قد يُعزِّز من القدرة على تحديد فترة دفن الجثمان. إذ أن هناك تغيرات في نماذج وميض الأشعة مع مرور الوقت. إن تحديد عمر العظام، كما هو الحال مع تحديد الوقت الذي إنقضى على الوفاة، يترافق مع صعوبات. إذ أن للوسط الذي وُجدت فيه العظام أهمِّيَّة كبيرة، و إن تحديد عمر عظام الأجساد هو موضوع بحث تخصُّصي في الوقت الحاضر. و إذا وُجد شك في النتائج المتحصَّل عليها من فحص العظام، فإن على الطبيب الشرعي أو من يقوم مقامه الإستعانة بعلماء الأثار و علماء تطوُّر الكائنات الذين لديهم المهارات الخاصة و التقنيات اللازمة للتعامل مع هذا النوع من المواد، أي العظام.

إن تحديد عمر عظام الجثامين بإستخدام كربون 14 المُشع ليس له مكان في تحديد الفترات الزمنيَّة القصيرة. إلا أن قياس مستوى عنصر السترونشيوم 90 الذي تم إطلاقه في الجو بكميات مرتفعة عقب تفجير القنابل النووية في أربعينات القرن الماضي قد يسمح بتميز العظام التي وُجدت قبل تلك الفترة و بعدها.

الإصابات و الأضرار التي قد تتعرض لها الأجساد بعد الموت

إن الأجساد الميِّتة ليست بمنأى عن التعرُّض للضرر، و يمكن أن تتعرض لمدى واسع من الإصابات. و من الضروري إستحضار هذه الإحتمالية في الذهن عند فحص الجثامين، و بالتالي كي لا يتم الخلط بينها و بين الإصابات التي تم التعرُّض لها أثناء الحياة.

إن التعرُّض للحيوانات الضارية التي تعيش على اليابسة و الحشرات يمكن أن تتسبب في حدوث أضرار بالغة للجُثَّة. و إذا كان هنالك شكّْ حول طبيعة العلامات الناتجة عن التعرُّض للعضّْ، فإنه يجب الإستعانة بأخصائي في علم الأسنان. و في الماء، فإن الأسماك و القشريات و الحيوانات الكبيرة يمكن كذلك أن تتسبب في أضرار بالغة، إلا أن هناك الأضرار المُضافة الناتجة عن سقوط الجلد و حركة الجسم عبر القاع. و إن إحتكاك الجثث المتواجدة في المسطحات المائية مع القوارب و مراوح الدفع الخاصة بها سوف يؤدي عموماً إلى مظاهر مُعيَّنة من الأضرار التي يمكن بسهولة التعرُّف عليها.

و ليس من الصحيح القول أن الإصابات التي تحدث بعد الوفاة لا تؤدي إلى حدوث نزف دموي، لأن العديد من الجٌثث يرتشح منها الدَّم خاصة الأجسام التي يتم إنتشالها من الماء. إن عملية تأكيد حدوث الجرح عقب الوفاة قد تكون بالغة الصعوبة لأن الأضرار أو الإصابات التي حدثت في الدقائق الأخيرة من الحياة، و تلك التي حدثت بعد الوفاة مباشرة قد تبدو متشابهة تماماً. و بالعموم، فإن الإصابات الحاصلة بعد الوفاة ليس لها حافة لإستجابة إلتهابية مبكِّرة في حواف الجروح، إلا أن فقدان هذه الإستجابة لا يستثني حدوث الضرر في اللحظات الأخيرة من الحياة.

تقدير الفترة التي إنقضت بعد الوفاة

عادة ما يتم سؤال الطبيب الشرعي أو الأخصائي الجنائي عن الفترة الزمنية التي إنقضت على الوفاة (PMI) إستناداً على المُعطيات المرضية. و في حين لا يمكن لأيٍ من التغيرات الحاصلة بعد الوفاة تقديم أي دليل قطعي على الفترة التي إنقضت بعد الوفاة، فإن أكثر هذه التغيرات مصداقية ترتبط بإنخفاض درجة حرارة الجسم بعد الموت.

درجة حرارة الجسم

يتم بشكل تقليدي الحصول على درجة حرارة الجسم من خلال إستخدام مقياس زئبقيَّة (0-50 درجة أعتبر كافياً لقياس درجة الحرارة). بالرغم من ذلك، فإن هناك مشاكل تظهر مع إستخدام هذا النوع من مقاييس درجة حرارة الجسم. و ذلك لأن التداخل مع فتحة الشرج أو المستقيم (التي تؤخذ منها درجة حرارة المتوفي) قبل إستكمال الفحص الجنائي للمنطقة قد يُشوِّش أو يعمل على تلويث عملية التحقيق التالية لوجود مواد حيوية كالمني أو الدَّم أو الشعر. و إن تطوير مسبار قياس حرارة إلكتروني صغير الحجم ذو قدرة على الإستجابة السريعة أدى إلى حدوث ثورة في قياس درجات حرارة الجسم. و قد سمحت هذه الأجهزة الحديثة بإستخدام منافذ أخرى في الجسم لأخذ قياس درجات الحرارة بما في ذلك فتحات الأنف و الأذن، بالرغم من ضرورة الإنتباه إلى أن هذه المناطق من غير المتوقع أن تعطي نفس درجات الحرارة كما هو الحال في داخل المستقيم أو الكبد.

هناك حاجة لمعرفة درجة حرارة الوسط، إلا أن ذلك محاط بالعديد من العقبات، و ذلك لأنه من النادر أن يكون الطبيب الشرعي أو المحقِّق الجنائي متواجداً في الموقع لتسجيل ذلك وقت إكتشاف الجُثَّة، و حيث أن وصولهم إلى الموقع يأتي متأخراً في العادة لعدة ساعات أحياناً، فإنه من غير المحتمل أن تكون درجة الحرارة عند ذلك الوقت مازالت كما هي. و لذلك، يجب على أول الأفراد الوافدين من رجال الشرطة أو أخصائيِّ تجميع الدلائل إلى مسرح الواقعة أن يقوموا بتسجيل درجة حرارة المنطقة المحيطة بالجسم و تسجيل وقت الحصول على درجة الحرارة. إن التغيُّر 5 درجات في مستوى حرارة الوسط المحيط قد يؤدِّي إلى تغيُّر مقداره ساعة على الأقل في توقيت إحتمال حدوث الوفاة.

إن إستخدام الوسائل البيوكيميائية بما في ذلك تحديد مستوى البوتاسيوم في الجسم الزجاجي للعين و مستوى التغيرات في الإنزيمات و مستوى الإلكتروليتات (الأملاح الأيونية) في الجسم لتحديد فترة الوفاة لم تلق نجاحاً كوسائل روتينية لهذا الغرض.

 

التقنيات الأخرى المستخدمة في تحديد الفترة المنقضية بعد الوفاة

إن أحد المجالات الهامة التي لها أهمية كبيرة في الطب الجنائي هو علم الحشرات الجنائي، و الذي من خلاله يمكن تحديد الوقت المحتمل لحدوث الوفاة و ذلك من خلال فحص تجمعات الحشرات و مراحل تطوُّر هذه الحشرات التي تغزو الجثمان. و بداية يتواجد الذباب اللاحم (أكل اللحم Sarcophagus) و يُمثله الذباب الأزرق Calliphora و الذباب الأخضر Lucilla إضافة إلى الذباب المنزلي Musca، حيث يضع الذباب بيضه في المناطق الرطبة من الجثَّة خاصة العيون و الفم و الأنف و كذلك فتحة الشرج و الأعضاء التناسلية في حالة إنكشافها. يفقس البيض إلى يرقات، و التي تنمو و تتخلَّص من جلدها لعدة مرات، و يُطلق على كل عملية إنسلاخ مصطلح “طور”. و أخيراً تتحوَّل اليرقات إلى خادرات و من ثم تخرج الحشرات المُجنَّحة. إن الوقت المنقضي من لحظة وضع البيض مروراً بالأطوار اليرقيَّة إلى مرحلة الخادرة يعتمد على نوع الحشرة و درجة حرارة الجو المحيط. و لكن بشكل عام، تأخذ هذه المراحل حتى إكتمالها حوالي 21-24 يوم.

حيوانات أخرى صغيرة و كبيرة سوف تصل إلى الجُثَّة لتقتات عليها. و إن نوع هذه الكائنات و سرعة وصولها إلى الجُثَّة يعتمد على الوقت خلال السنة و البيئة المحيطة. إن فحص الأجسام المدفونة أو البقايا العظمية سوف يحتاج في الغالب إلى أصحاب مهارات متخصِّصين في علم الأمراض الجنائي و علماء الأنثروبولوجي و أخصائيِّ الحشرات.

إن تحليل محتويات المعدة – ليس بهدف فحص السموم- قد يُساعد أحياناً في عمليات التحقُّق، حيث يتم التعرُّف من خلال هذا الفحص على مكونات الطعام التي يمكن أن تدعم أو تدحض الدلائل الأخرى التي تقترح تناول وجبات معينة في وقت ما؛ إلا أنه لا يمكن إستخدام هذا الفحص لتحديد وقت الوفاة بدقَّة. و من الضروري، عندما يكون تحديد وقت الوفاة مسألة هامة، أن يتم إستخلاص جميع مكونات المعدة لتحليلها لاحقاً.

 Ahmed Mustafa Kamal Al-Bawab

Le_bawab@yahoo.com

Bawaba@ksau-hs.edu.sa

 مقدمة

 الجهاز المناعي عبارة عن شبكة من الخلايا و الأنسجة و الأعضاء التي تعمل بشكل متعاضد لحماية الجسم ضد الأجسام الغريبة. هذه الحماية موجهة بصورة أساسية تجاه الميكروبات المسببة للأمراض التي تشمل البكتريا، الفيروسات، الطفيليات و الفطريات.

 و لأن جسم الإنسان يهيئ بيئة مثالية للعديد من الميكروبات، التي تحاول استعماره باستمرار، فإن وظيفة الجهاز المناعي هي إبقاء هذه الميكروبات خارج الجسم, وعند عجزه عن القيام بذلك، فان عليه ملاحقة هذه الميكروبات و القضاء عليها.

 في بعض الأحيان يخطئ الجهاز المناعي في إصابة هدفه، مما يتسبب Read More »

متلازمة النقص المناعي المكتسب (الإيدز)

إعداد و ترجمة: أحمد مصطفى كمال البواب Bawaba@ksau-hs.edu.sa 

قدَّرت مُنظَمة الصِّحَة العالمية في عام 2008 وجود ما يربوا على 33 مليون شخص حول العالم مصاب بفيروس النقص المناعي (HIV)، العامل المسبِّب لمتلازمة النقص المناعي المكتسب أو الإيدز (AIDS)؛ يتواجد مليون منهم في أمريكا الشمالية. و على الصعيد العالمي، فإن معدَّل الإصابات الجديدة بالفيروس يتراوح بين حوالي 3 مليون شخص سنوياً. و قد بلغ عدد الوفيات الناتجة عن هذه الإصابات عام 2008 حوالي 2 مليون شخص. و في العديد من الدُّول الأفريقية، يُعتبر الإيدز المُسبَّب الأساسي للوفاة بين الشباب. و لا شكّْ أنه لا يمكن تجاهل التأثير الكبير الناتج عن الإصابة بمرض النقص المناعي المكتسب. ففي عام 1995 كان المرض هو المُسبِّب الأول للوفاة في الولايات المتَّحدة بين الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 20- 45 سنة. و قد أخذ مستواه بالإزدياد فيما بعد في النساء. و حتى اليوم و بالرغم من العلاجات المستخدمة للحدّْ من إنتشار المرض، فإن الإيدز يبقى السبب الأساسي للوفاة بين بعض المجاميع العرقية و في المدن المتحضِّرة. و لسوء الحظّْ، فإن 10% فقط من الأفراد الذين يعيشون مع فيروس HIV حول العالم يتمكَّنون من الحصول على العلاجات المضادة للفيروسات الرجعية. و في العديد من أجزاء القارَّة الإفريقية يُعتبر الإيدز المُسبِّب الأساسي للوفاة بين الأفراد في مقتبل العمر. يُمِّل الإيدز مجموعة من المظاهر الإكلينيكية، بشكل أساسي الإصابات الإنتهازية و زيادة معدَّل الأورام السرطانية الناتجة عن دور فيروس HIV في تحطيم الجهاز المناعي. و تُعتبر متلازمة النقص المناعي هي المظهر النهائي للإصابة بفيروس الإيدز، التي تحدث قبل سنوات عدة (10 سنوات في المتوسِّط) من ظهور الأعراض الحادة للمرض. إن التقدُّم المستمر و العنيف للإصابة بفيروس HIV قد تم دراسة خصائصه بشكل جيد، و قد أستخدمت عدة طرق لتصنيف هذه المراحل. الإصابات المُبكِّرة الحادَّة بفيروس HIV يتقدَّم معظم الأفراد المصابون بفيروس HIV بأعراض غير مُتخصِّصة و شائعة تُشابه الإصابة بالعديد من الفيروسات، مثل الإصابة بفيروس EBV و CMV. و على الطبيب الأخذ في الإعتبار إحتمالية الإصابة بفيروس HIV إذا تقدَّم المريض بأعراض فيروسية و كان المريض نشطاً جنسياً (خاصة مِثْليِّ الجنس من الرجال أو حتَّى متبايني الجنس)، أو إذا كان الشخص من متعاطي المخدِّرات عن طريق الوريد. تحدث الصورة الحادَّة من الإصابة بفيروس الإيدز في حوالي 50 من الأفراد في فترة تتراوح من أسبوعين إلى أربعة أسابيع عقب إكتساب الفيروس. و في معظم الحالات، فإن الأعراض الوحيدة الممكن مشاهدتها هي إرتفاع درجة الحرارة و إلتهاب الحلق. و قد تمتلك مجموعة صغيرة من المرضى إرتفاع في درجة الحرارة، و الإحساس بتعب عضلي، و شعور بالخمول و إلتهاب في الحلق و تعب في المفاصل، و تضخم في العقد اللمفاوية، و ظهور طفح جلدي حُطاطي على الجسم. و قد يمتلك بعض المصابين إلتهاباً سحائياً مُعقَّم (لا يمكن عزل بكتريا أو خمائر منه على الأوساط الإعتيادية)، و شعور بالصداع. و تستمر هذه الأعراض الأولية بشكل نمطي من 3 إلى 14 يوم و تنتهي بحدوث شفاء كامل حتَّى في المرضى الذين يعانون من المضاعفات العصبية. و في الغالب، فمن غير المُمْكن تحديد الأجسام المضادة تجاه فيروس HIV بشكل مبدئي. بالرغم من ذلك، فقد تم تطوير العديد من الوسائل لتحديد RNA الفيروسي في الدَّم. و بالرغم من إمتلاك المرضى المصابين بالصُّورة الحادَّة من فيروس HIV مستويات مرتفعة – في الغالب- من RNA الفيروسي، فإن الإختبارات المصلية الخاصة بعملية المتابعة ضرورية لتأكيد التشخيص. الإختبارات التشخيصِّيَّة من المُمكن قياس مستوى RNA الفيروسي في المراحل المُبكِّرة من العدوى بإستخدام إختبار PCR لتحديد وجود فيروس HIV. و بالرغم من ذلك، و بسبب كلفته المرتفعة نسبياً، فإن إختبار PCR لا يُستخدم في عمليات مسح العدوى مالم يتوجَّس الطبيب من وجود عدوى حادَّة لدى المريض. و بدلاً عن ذلك، فإنه يتم في العادة تشخيص فيروس HIV من خلال تحديد الأجسام المضادة الخاصة بالفيروس في المصل. و على خلاف معظم إختبارات الأجسام المضادة، و التي يدُّل وُجودها المتخصِّص على وجود إصابة سابقة بميكروب مُعيَّن، فإن إيجابية الأجسام المضادة الخاصَّة بختبار فيروس HIV تدل على وجود إصابة حديثة. فأي شخص يمتلك أجساماً مضادة لفيروس HIV يجب أن يُفترض إمتلاكه إصابة نشطة يمكن أن تنتقل إلى أفراد أخرين. و لذلك، فمن الضروري على الشخص الذي يمتلك أجساماً مضادة لفيروس HIV أن يحصل على إستشارة طبِّيَّة حول طرق إنتشار الفيروس، و بالتالي للحدّْ من عملية إنتشاره. و بشكل عام، فإن الأجسام المضادة المتخصِّصَة لفيروس HIV تظهر بعد 6-12 أسبوع من العدوى. بالرغم من ذلك، فالدراسات التي إستخدمت تقنية PCR لإختبار مستوى RNA الخاص بفيروس HIV أظهرت أنه في حالات نادرة، فإن الأفراد المصابين بالفيروس لا يقومون بتطوير أجسام مضادة لعدة أشهر أو سنوات بعد عملية التعرُّض للفيروس. هولاء الأفراد غير العاديِّن يمتلكون إختبارات مصلية سالبة بشكل زائف لفيروس HIV. إضافة لذلك، فإن بعض المرضى في المراحل النهائية من مرض الإيدز يمتلكون إختبارات مصلية سالبة (من الواضح أن ذلك يعود إلى فشل وظائف الخلايا البائية). و لحسن الحظّْ، فإن المرضى في المراحل المتقدِّمة من المرض يمكن في الغالب تعريفهم عبر إستخدام وسائل غير مصلية؛ بالرغم من ذلك، فإن فشل وظائف الخلايا البائية سوف يعمل على تعقيد التشخيص المصلي للعديد من الإصابات الإنتهازية التي تحدث في مرضى الإيدز. إن أكثر الطُرق شيوعاً لإختبار الأجسام المضادة لفيروس HIV هو تقنية إختبار الإِليزا (ELISA). و يتم هذا الإختبار من خلال إضافة عينة من مصل المريض إلى أنتيجين فيروس HIV المرتبط إلى سطح صلب. فإذا وُجدت الأجسام المضادة الخاصة بفيروس HIV فإنها سوف ترتبط إلى الأنتيجين و تكوِّن معقداً مناعياً معه. بعد ذلك يتم إضافة أجسام مضادة للجلوبيولين المناعي المرتبط بأنتيجين HIV. هذا الجلوبيولين المناعي المضاد للأجسام المضادة مرتبط إلى إنزيم يتم من ثَمَّ إضافته للإرتباط بالمعقَّد. و بالرغم من الحساسية العالية لإختبار الإليزا (أكثر من 99%)، إلا أنه غير متخصِّص بشكل كامل، و هناك إحتمالية لوجود نتائج موجبة زائفة. و عند القيام بمسح أعداد كبيرة من التجمُّعات البشرية، فإن معدَّل بسيط (0.01%) من الإيجابية الزائفة سوف يعني أن العديد من الأشخاص غير المصابين قد تمَّ تشخيصهم بشكل خاطيء. و على هذا الأساس، فإن إختبار الإلَيْزا الموجب يجب التحقُّق منه و تأكيده من خلال إختبارات أكثر تخصُّصيَّة. و في معظم المختبرات يتم هذا التأكيد من خلال إختبار يُطلق عليه Immunoblot أو Western blot و الذي من خلاله يمكن يمكن تحديد الأجسام المضادة لبروتينات خاصة بالفيروس. و يعتبر إختبار Western blot ذو حساسية عالية و تخصُّصيَّة للأجسام المضادة الخاصَّة بفيروس HIV؛ بالرغم من ذلك، فإن كلفته مرتفعة و يحتاج إلى وقت أطول و مهارة لإنجازه مقارنة مع إختبار الإليزا. و لذلك فهو غير مناسب كإختبار مبدئي لعمليات المسح. و في حالات نادرة، يُظهر بعض الأفراد تفاعلات عرضية غير متخصِّصة في الإختبارات المصلية الخاصة بفيروس HIV ، و قد يكون من الصعب تميِّز المرض في المراحل المبكِّرةمن الإصابة بفيروس HIV.و يمكن تحديد النمط الحقيقي للإختبار من خلال إعادة إختبار Western blot عقب 3 أو 4 أشهر. خلال هذه الفترة، فإن الشخص الذي يمتلك إصابة حقيقية سوف يكوِّن في الغالب أجساماً مضادة جديدة لمحدِّدات أتنيتيجية جديدة (و هو ما سوف يتضح في إختبار Western blot)، في حين أن الأفراد الذين يمتلكون نشاطاً غير متخصِّص سوف يُبْقون على نفس النمط السابق. إن الإنتظار للحصول على نتيجة الإعادة لإختبارات HIV يمثِّل وقتاً عصيباً للمرضى، الذين هم بأمسّْ الحاجة إلى الإستشارة و الدَّعم المعنوي لمساعدتهم على فهم محدودية التكنولوجيا. هناك إختبارت أخرى تُستخدم لتحديد وجود فيروس HIV، إلا أنها ليست دائما ذات فائدة. الأنتيجين P24 يمثِّل البروتين الخاص بمركز فيروس HIV و يتم الإشفار له من قِبَل الجين gag. و يُشير وجود هذا البروتين إلى حالة من التضاعف النشط للفيروس. و يزداد مستوى هذا البروتين في الحالات الحادَّة من الإصابة، و قد يكون تحديد هذا البروتين ذو فائدة تشخيصيَّة في هذه الحالات. بالرغم من ذلك، فإنه من غير المُمْكن تحديد هذا الأنتيجين في الإصابات المؤكَّدة، و بالتالي، فإن هذا الأنتيجين أقل أهمية. و بشكل واسع تُستخدم تقنية PCR لتحديد RNA الخاص بفيروس HIV. و يُستخدم هذا الإختبار بشكل أساسي لتقيِّم الحاجة للعلاج و العلاجات المضادة. إلا أنه من النَّادر إستخدام هذا الإختبار في عملية مسح الأفراد المصابين بالفيروس. إلا أنه من المناسب إستخدامه في الحالات الحادَّة من العدوى، و قبل تطوُّر أجسام مضادة متخصِّصة يمكن تحديدها. و تعتبر تقنية PCR الخاصة بتحديد DNA لفيروس HIV، التي يتم من خلالها تضخيم الفيروس الإبتدائي المدمج في كروموسوم الخلية المصابة، ذو حساسية عالية و وسيلة متخصِّصَة لتحديد الإصابات المبكِّرة. و تستخدم هذه الوسيلة في الغالب لتعريف حديثي الولادة المصابين بفيروس HIV و المولودين لأمهات مصابات بالفيروس، و الذين من الممكن أن تسبِّب الأجسام المضادة الخاصة بأمهاتهم تداخل في عملية التشخيص المصلي لهم. طرق إنتقال فيروس النقص المناعي (HIV) ينتقل فيروس النقص المناعي (HIV) بشكل مبدئي من خلال الحقن المباشر للعائل بالدَّم و سوائل الجسم المحتوية على الفيروس. و عليه، فإن و بائية فيروس HIV هي إنعكاس لإنتقال الفيروسات التي تنتقل عبر ذلك المسار. و تُكتسب معظم حالات الإصابة بفيروس HIV عن طريق الجنس، و بشكل خاص الممارسات الجنسية المرتبطة مع حدوث جروح، مثل ممارسة الجنس عن طريق الشرج، الطريق التي تُسهِّل إنتشار الفيروس. و ترتبط الأمراض الأخرى المنتقلة جنسياً، و بشكل خاص القرح التناسلية، مع زيادة مخاطر إنتقال فيروس HIV. و من المحتمل أن يحدث ذلك بسبب تضرُّر الحواجز الطلائية بواسطة القُرح. و في الولايات المتحدة و الدول الغربية الأخرى، يُعتبر الإتصال الجنسي المِثْلي بين الذُّكور الطريقة الرئيسيَّة لإنتقال فيروس HIV. بالرغم من ذلك، و في الأجزاء الأخرى من العالم، فإن إنتقال فيروس HIV يتم بشكل أساسي من خلال الإتصال الجنسي المتباين. و تقترح بعض الدراسات أن النساء يكتسبن الإصابة بصورة أسهل من الرجال، إلا أنه من الواضح أن عملية الإنتقال تحصل في كلا الإتجاهين. إن الإحتكاك بالدَّم أو مشتقاته المصابة بالعدوى هي إحدى الطُرق الأخرى الهامة لإنتقال فيروس HIV. و لقد تقلّص معدَّل إنتقال الفيروس بواسطة الدَّم و مشتقاته منذ بداية فحص دم المتبرعين و معاملة البلازما بهدف تضعيف الفيروس. بالرغم من ذلك، فإن وسيلة الإنتقال هذه لم يتم إستئصالها بشكل كامل. و يعود السبب في ذلك إلى وجود الفترة التي تُعرف بإسم “النافذة Window period”. و هي مرحلة بداية إكتساب العدوى، حيث لا يكوِّن المتبرعون بالدَّم في المرحلة المُبكِّرة من عدوى HIV أية أجسام مضادة للفيروس يمكن تحديدها، و بالتالي لا يمكن تحديد الشخص المصاب بالعدوى. و يبقى إنتقال الفيروس عن طريق الدَّم إحدى المشاكل الهامة بين متعاطي المخدَّرات عن طريق الأوردة الذين يتشاركون الحُقَن الطبِّيَّة في تعاطي المخدِّرات. إن المرأة المصابة بفيروس HIV تمتلك القدرة على نقل العدوى إلى أطفالها في الرحم أو أثناء الولادة. و من المخاطر الأخرى لإنتقال فيروس HIV تلك التي تتم من خلال حليب الثدي. إن عدم تناول العلاجات المضادة للفيروسات من قِبَل الأمهات المصابات بفيروس HIV يؤدي إلى إكتساب ما بين 13-40% من الأطفال للعدوى بالفيروس. و إن تعاطي العقاقير المضادة للفيروسات الرجعية من قِبَل الأمهات الحوامل المصابات بفيروس HIV يمكن أن يعمل بشكل كبير على خفض مخاطر إنتقال العدوى الفيروسية إلى الأجنَّة (إلى أقل من 1% عند الظروف المثلى). و إن السبب وراء عدم إصابة جميع الأطفال لأمهات مصابات بفيروس HIV غير معروف. بالرغم من إحتمالية علاقة ذلك، بشكل جزئي، إلى وجود إستجابة مناعية من قِبَل الأم لفيروس HIV و كذلك لمستوى HIV في دم الأم. كما يُمثِّل فيروس HIV معضلة مهنية لدي أخصائيِّي العناية الصِّحيَّة. فالتعرُّض للدَّم المصاب بفيروس HIV، و بشكل سائد من خلال الإصابات الناتجة عن وخزات الإبر الطِبِّيَّة، تُمثِّل خطورة حقيقية للممارسين الصِّحيِّين. إن مخاطر الإصابة عقب مثل هذا النوع من التعرُّض منخفضة؛ فقد قُدِّر أن واحد من بين 300 حالة تعرُّض سوف تؤدِّي إلى العدوى. و قد وُثقت حالات الإصابة بالإيدز الناتجة عن إصابات وخزات الإبر الطبِّيَّة، إلا أنه يمكن منع حدوث العدوى من خلال الإستخدام السريع للعقاقير المضادة للفيروس. كما أن إنتقال الفيروس من الممارسين الصِّحيِّين، أي في الإتجاه المعاكس، قد سُجِّلت كذلك، إلا أنها حدث شديد النُّدرة. إن الإجراءآت العامَّة الضروري إنخاذها (مثل إفتراض أن جميع الدَّم أو سوائل الجسم الأخرى هي مواد معدية) يقلِّل بشكل كبير من إنتقال فيروس HIV إلى الأفراد الممارسين الصِّحيِّين.

إذاً، متى يجب إخضاع الأفراد لإختبار العدوى بفيروس HIV؟

إن الأفراد المصابون بفيروس HIV يبحثون عن الرعاية الصِّحيَّة في مراحل متباينة من المرض. و إن العديد من المرضى في المراحل المبكِّرة للعدوى بفيروس HIV لا يلجئون لطلب الإستشارة الطبِّيَّة، بل هم حتلا ليس على علم بوجود العدوى، حتى ظهور أعراض مرض الإيدز. فالعديد من المرضى يرغب بإجراء فحص فيروس HIV لأنهم يدركون أن بعض سلوكياتهم في الحياة تضعهم على هاوية الخطر. البعض الأخر من المرضى يسعون للحصول على الإستشارة الطبِّيَّة لسبب آخر غير الإصابة بفيروس HIV، إلا أن الطبيب ينصحهم بإجراء إختبار HIV بعد الفحص الإكلينيكي. عواقب إيجابية إختبار HIV إن الفترة التي تعقب التشخيص التأكيدي للعدوى بفيروس HIV تمثل وقتاً عصيباً على المريض. فالقلق من إحتمالية الإصابة بمرض النقص المناعي (الإيدز)، و الخوف من إمكانية نقل الفيروس إلى أفراد العائلة هي من أهم مظاهر الإستجابة التي تظهر على المريض. و لذلك، فإن التشاور مع المريض له أهميته عند هذه المرحلة. و يجب أن يُوضَّح للمريض الطُّرق التي ينتقل بها الفيروس و توجيهه بشكل واضح عن دوره في حماية الأفراد الآخرين و بشكل خاص الشركاء الجنسيِّين. و يجب تنبيه الشخص المصاب بضرورة الإمتناع عن ممارسة العلاقات الجنسية، و أن تلك هي الطريقة الوحيدة للحيلولة دون إنتشار العدوى. إن العلاقات الجنسية التي لا تشمل الإحتكاك بالسائل المنوي أو الإفرازات المهبلية تعتبر آمنة. و إن إستخدتم الواقي الذكري يُمثِّل ضرورة في حال رغبة الفرد المصاب الإستمرار في إقامة العلاقات الجنسية. و يجب التأكيد على المريض بأن إحتكاكه بالأفراد الآخرين لا تُمثِّل خطراً لإكتساب العدوى. إن إحتمالية تقدُّم المصاب بفيروس HIV إلى مرحلة ما يُعرف بمرض النقص المناعي المكتسب (الإيدز) يمكن التنبوء به من خلال تحديد مستوى الخلايا اللمفاوية التَّائية. و حيث أن الخلايا التَّائيَّة المساعدة (Th) و التي تحمل الأنتيجين CD4 هي الخلايا المستهدفة من قِبَل فيروس HIV بشكل خاص، فإن قياس أعداد و نسبة هذه الخلايا في الدَّورة الدموية هو المؤشر على مستوى الإحباط المناعي لدى المصاب، و بالتالي يعكس ذلك مقدار إمكانية التحوُّل لظهور أعراض الإيدز. و يتراوح المستوى الطبيعي للخلايا التَّائية المساعدة في الأفراد الأصحاء البالغين من 800- 2000 خليَّة/مليمتر مكعَّب من الدَّم. و إن الفقدان المستمر للخلايا مع تقادم الوقت هو النمط الغالب للمراحل المتقدِّمة من الإصابة بفيروس HIV. و تزداد بشكل حادّْ إحتمالية العدوى الإنتهازية المرتبطة من مرض الإيدز عندما يهبط مستوى الخلايا اللمفاوية التَّائية المساعدة إلى أقل من 200 خلية/ملمتر مكعَّب. و تتباين نوعية العدوى التي سوف يكتسبها المريض بحسب مرحلة الإحباط المناعي التي يمر بها. و إن درجة تدهور مستوى الخلايا المساعدة مع مرور الوقت يمكن أن يعكس الكيفيَّة التي سوف يتطوَّر بها المرض. و إن مستوى الفيروس في المصل (Viral load)، كما يتضح ذلك من خلال مستوى قياس RNA الخاص بفيروس HIV في المصل، أيضاً يُعطي معلومات هامَّة عن مسار تقدُّم المرض، و ربما يكون هذا المؤشر أهم من مستويات الخلايا التَّائية المساعدة. فالمستوى المرتفع لكمية الفيروسات في الدَّم يُنذر بحدوث تقدُّم سريع إلى الأعراض الإكلينيكية للإيدز أو الوفاة. و بمجرد دخول فيروس HIV إلى الجسم، فإنه سرعان ما ينتشرإلى العديد من الأعضاء و بشكل خاص الجهاز اللمفاوي و الدماغ. و في الحقيقة، فإن الإصابة الإبتدائية بالفيروس قد ترتبط مع فقدان كبير- بالرغم من أنه مؤقَّت- في الخلايا اللمفاوية المساعدة (CD4)، و ربما حتى التعرُّض للإصابات الإنتهازية في بعض المرضى. و مع ظهور الإستجابة المناعية الخلوية، فإن مستوى RNA الفيروسي في البلازما ينخفض بشكل كبير. بالرغم من ذلك، فإن التضاعف النشط للفيروس يستمر بمعدَل عل داخل العقد اللمفاوية. و تعتبر الإصابة بفيروسHIV حالة من التنشيط المناعي يحدث خلالها إستنزاف للخلايا اللمفاوية التَّائية. و من الناحية المرضية، فإنه يتم تدمير العقد اللمفاوية بشكل حادّْ في وقت من الأوقات. و سوف يتمكَّن الفيروس من التملُّص من آليات المراقبة التي تترصده بواسطة الخلايا اللمفاوية قبل أن يتم مشاهدته مرة أخرى بمستويات مرتفعة في المصل مع تقدُّم المرض. إن المظاهر الإكلينيكية أو الأعراض المرضية التي تقترح حدوث نقص مناعي تساعد أيضاً على التعرُّف على المرضى الذين من المحتمل أن يتقدموا بصورة أسرع إلى مرض الإيدز. و على هذا الأساس، يجب الحصول على التاريخ المرضي بحرص، و الذي يشمل إرتفاع درجة الحرارة و التعرُّق اليلي، و فقدان الوزن، أو الإسهال بدون وجود سبب واضح لذلك. كما أن وجود الإصابة بخمائر الكانديدا في الفمّْ (السُّلاَّق Thrush) هو مؤشر سيء على تقدُّم المرض. و بالرغم من هذه العلامات التي تنبِّىء بمقدار تقدُّم المرض، إلا أنه من غير الممكن التنبوء على وجه الدِّقَّة و بصورة روتينية بالسرعة التي سوف تتقدَّم بها الإصابة في مريض بعينه؛ إذ أن الآليات التي تحكم معدَّل تقدُّم المرض غير مفهومة بشكل جيد، فالعديد من العوامل، كالعوامل الوراثية أو التباين الوراثي بين الأفراد، و الإستجابة المناعية للعائل، و النمط الفيروسي، و مستوى الفيروس في الدَّم كل ذلك يمثِّل عوامل مُهمَّة تؤثِّر على طبيعة تقدُّم المرض في العائل. و لأن معظم الأفراد المصابين بفيروس HIV سوف يعانون من حالة النقص المناعي، فمن الضروري التحرِّي عن وجود إصابات خفيَّة قد تُهدِّد حياتهم فيما بعد. فمن الضروري إجراء الإختبار المناعي المتعلِّق بمرض السُّلّْ (Tuberculin) تحت الجلد، و إجراء تصوير إشاعاعي للصدر إذا وُجد تاريخ مرضي للإصابة بالسُّل، و ذلك لوجود إحتمالية لتنشيط بكتريا السُّل و هو ما يحدث بالفعل بصورة كبير جداً في مرضى الإيدز. و بالنسبة للمرضى الذين يظهر لديهم إيجابية في إختبار الجلد الخاص بمرض السُّلّْ و تغيب عنهم الصورة النشطة من المرض، يجب أن يتم علاجهم بشكل وقائي بعقار Izoniazid. و بالنسبة للمرضى الذين يمتلكون إختبارات مصلية موجبة لمرض الزهري (السفلس Syphlis)، فإنهم بحاجة إلى تناول العلاجات المناسبة، خاصة إذا وُجدت إحتمالية حدوث الزهري العصبي. كما أن الأفراد المصابون بفيروس HIVهم من الأفراد المرشحون للحصول على اللقاحات المضادة للبكتريا الكروية المُسبِّبَّة للإلتهاب الرئوي (Pneumococcal) و الحصول على اللقاحات الدورية للأنفلونزا. و لأن المرضى عُرضة أيضاً لمخاطر إكتساب إلتهاب الكبد ب، فمن الضروري فحص الأجسام المضادة لديهم تجاه هذا الفيروس، و منح الأفراد الذين لا يمتلكون الأجسام المضادة اللقاحات المناسبة تجاه فيروس الكبد ب.

التقدُّم إلى مرض النقص المناعي المكتسب (الإيدز).

تُتبع العدوى الحادة بفيروس HIV بمرحلة كُمون، لا تظهر خلالها على الشخص المصاب أية أعراض، بل و يبدوا المصاب بصحة جيدة. و تتباين فترة هذه المرحلة من العدوى كي تمتد من عدة أشهر إلى أكثر من 15 عام. و بالرغم من عدم ظهور أعراض على المصابين خلال هذه الفترة، فإن العديد من المرضى يعانون في الحقيقة من أعراض ليست من الواضح أنها مرتبطة بالإصابة بفيروس HIV أو بحالة النقص المناعي المرتبطة به. على سبيل المثال، فالأشخاص المصابون بفيروس HIV هم عُرضة بشكل خاص لظهور المشاكل المرتبطة بالجلد. و السبب وراء ذلك غير معروف. لكن قد تكون إصابة جزر لانجرهانز (Langrerhans) المتواجدة في الجلد أحد الأسباب المساهمة في ذلك. و يعاني العديد من المرضى من ظهور جفاف شديد في الجلد أو الشعور بالرغبة في الحكَّة . و إن ظهور الإعتلالات الجلدية، مثل الإكزيما و غيرها من أمراض الجلد، في أشخاص كانوا إصحاء في السابق، يجب أن يُظهر إحتمالية الإصابة بفيروس HIV. كما قد يحدث تنشيط لفيروس الهربس زوستر (Herpes zoster). إضافة لذلك، فقد يكون السرطان الجلدي المعروف بإسم “كابوسي ساركوما Kaposi sarcoma” أول مظاهر الوصول إلى مرض الإيدز. و قد يتقدم المرضى في المراحل الأخيرة من مرض الإيدز بتضخُّم موضعي أو في كامل الجسم بالعُقَد اللمفاوية، إلا أن ليس لذلك أية أهمية تعكس مقدار تقدُّم المرض. و في الجهة الأخرى، فإن حدوث تغيرات في العقد اللمفاوية المتضخمة أصلاً قد تكون إشارة مُبكِّرة لحدوث عدوى أو ورم سرطاني، و يجب التقصِّي حول ذلك. و يعتبر إلتهاب الأغشية المخاطية المتكرِّر بخمائر الكانديدا (إلتهاب المهبل أو الفم لدى النساء، و الفمّْ لدى الرجال) و تقرحات الفم الحادة إحدى المظاهر الشائعة المبكِّرة للعدوى بفيروس HIV.

إعداد: أحمد مصطفى كمال البوَّاب

كلية الطب – جامعة الملك سعود بن عبد العزيز للعلوم الصِّحيَّة

لكتاب – محاضرات في علم الأحياء الدقيقة الطبِّيَّة

بيولوجيا الفضاء

 تُعنى بيولوجيا الفضاء بدراسة التأثيرات الطبية و البيولوجية للرحلات الفضائية على الكائنات الحية. إن الهدف الرئيس من هذا المجال هو إكتشاف كيف يمكن للإنسان وإلى أي مدى أن يقاوم الظروف القاسية التي قد يوجهها في الفضاء. كما يُعنى كذلك بكيفية  إعادة تكيف الإنسان إلى بيئة الأرض بعد الرحلات الفضائية.

 تشمل المفاهيم البيولوجية الأساسية لرحلات الفضاء فقدان الوزن, تأثيرات القوة الدافعة للمركبات الفضائية أثناء الإقلاع و العودة إلى الأرض، الإشعاعات، غياب دورة الليل و النهار و التواجد داخل نظام بيئي مغلق.

 العوامل الأقل أهمية في تأثيراتها على الإنسان هي التعرض للضوضاء، الإهتزازات و الحرارة الناتجة عن المركبة الفضائية.

 في الرحلات الفضائية الأطول تم توجيه الإنتباه الى التأثيرات النفسية لعملية الإنعزال و البقاء في مناطق مُغلقة خاصة عند وجود أشخاص من بيئات و ثقافات مختلفة.

 المعلومات الطبية الواسعة التي تحققت خلال الرحلات الفضائية الطويلة تم الحصول عليها من خلال برنامج مختبر الفضاء في بداية السبعينات من القرن  الماضي و كذلك من خلال المهام الطبية المتعددة لمركبات الفضاء تشالنجر و كولومبيا. و بالنسبة للسوفيت، فقد بدأت خبرتهم مع برنامج سيوز و البقاء في الفضاء لفترات طويلة من الوقت. فأطول فترة سجلها رائد فضاء سوفيتي كانت حوالي 439 يوم في محطة الفضاء الروسية مير.

 ومع تغير المناخ السياسي العالمي في بدايات التسعينات، بدأت كل من الولايات المتحدة و الإتحاد السوفيتي سابقاً بالتعاون في مجال علوم الحياة مما أدى إلى إندماج أدوات طبية تشخيصية أكثر تطوراً لمهام وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” إضافة الى خبرة السوفيت في البقاء لفترات طويلة في الفضاء الخارجي. ساعدت علوم الفضاء بشكل غير مباشر في إثراء العلوم الطبية, فالحاجة للإبقاء على متابعة مستمرة لفسيولوجيا رواد الفضاء أدى الى تطوير جهاز الكتروني لمتابعة وظائف الجسم وغيرها من الأدوات التى إعتمدت بشكل ما على المعرفة المكتسبة من برامج الفضاء. إن الدراسات الي تمت على كيفية سير رواد الفضاء على الجاذبية الضعيفة للقمر أدَّت إلى فهم أعمق  لطبيعة الحركة عند الإنسان.

 فقدان الوزن

 من أهم الخبرات الطبية المكتسبة في الفضاء هي فقدان الوزن الذي له أثاره الهامة جداً على وظائف أعضاء الجسم. وسوف يكون من المستحيل التخلص من مفهوم إنعدام الوزن في رحلات الفضاء مالم يتم بناء محطات فضائية كبيرة لها القدرة على تكوين جاذبية إصطناعية عن طريق الدوران مثلاً. ولأن الحياة نشأت تحت تأثير الجاذبية, فإن تأثيرات إنعدام الوزن حتى على المستوى الخلوي أخذت في الأعتبار. في البدايات كان الخوف قائماً من أن الإنسان في الفضاء قد يفقد قدراته كلياً. وفي حين أن لجسم الإنسان القدرة على التأقلم بسرعة في حالات إنعدام الوزن، فإن مشكلات مرتبطة بهذه الظاهرة تحدث غالباً عند العودة الى الأرض. تشمل هذه الصعوبات مرض التأقلم للفضاء (غثيان, مرض الحركة و توهان الحواس خلال الأيام الأولى من الرحلة), ضعف الجهاز المناعي، فقدان الكتلة العظمية وفقدان الكتلة العضلية (بما في ذلك عضلة القلب). كما ينشأ كذلك فقر دم بسبب إنخفاض كريات الدم الحمراء.أأأ

 يخضع رواد الفضاء الروس إلى تمارين رياضية شاقة بشكل يومي على مركبات الفضاء في محاولة للإبقاء على الكتلة العضلية وكتلة العظام. و بالرغم من ذلك، فإن بعضهم يتم حمله على حمالات عند وصولهم الى الأرض.

 القوى الدافعة

  تؤثر القوى الدافعة للمركبات الفضائية بشكل كبير على فسيولوجيا رواد الفضاء أثناء تسارع المركبات الفضائية في عمليات الإنطلاق و الهبوط. وقد تكون المضاعفات لعملية التسارع هذه خطرة. إن أكثر أجهزة الجسم تأثراً بعملية التسارع هذه هو الجهاز الدوري. إذ قد يحدث حرمان للدماغ من الدم مما يسبب ضعف الرؤية، و فقدان الوعي في بعض الأحيان. بالرغم من ذلك, فان بقاء رواد الفضاء في وضع الإستلقاء يمكّنهم من تحمل جاذبية تفوق جاذبية الأرض  ثماني مرات. 

 الأشعة المؤينة

  يتعرض روَّاد الفضاء للأشعة المؤينة من الجزيئات الملتقطة من المجال المغناطيسي للأرض المستمدة من أشعة الشمس، وكذلك من المفاعلات النووية المحمولة على مركبات الفضاء و الخاصة بعملية توليد الطاقة للمركبات الفضائية. يمكن لهذه الإشعاعات أن تنتج تأثيرات خطرة على رواد الفضاء. تتراوح هذه التأثيرات من الشعور بالغثيان و إنخفاض أعداد كريات الدم الحمراء الى حدوث طفرات و إبيضاض للدم (لوكيميا). ولذلك يتم قياس كمية الإشعاع المكتسبة لكل رائد فضاء عقب كل رحلة فضائية لإختزال كمية التعرض للإشعاع الى المستويات المقبولة.

 غياب دورات اليل و النهار

  ينتج عن غياب دورة اليل و النهار على متن مركبات الفضاء تأثيرات ضارة على رواد الفضاء من  الناحية الفسيولوجية و النفسية على حد سواء. إن الفترة الزمنية من ظهور الشمس الى غيابها في مركبة الفضاء التي تدور في مدارها بسرعة قد لا يتجاوز الساعة و النصف. تُنظَّم جميع وظائف الجسم، مثل ضربات القلب، التنفس، و التغير في درجات حرارة الجسم، بواسطة ساعات بيولوجية. هذا التناغم في وظائف الجسم ذو علاقة بنمط النوم و اليقظة و الذي بدوره يعتمد على تعاقب اليل و النهار.

 و للحيلولة دون تراكم المواد السامة على مركبات الفضاء فقد تم إبتكار أنظمة لتدوير ومعالجة المخلفات السامة في البيئات المغلقة للسفن الفضائية.

 أحمد مصطفى كمال البوَّاب
 أخصائي طبي أول

 

Rigor mortis

الفصل الأول: تركيب و فسيولوجيا البكتريا

 1-  تركيب البكتريا

 لجميع التراكيب السطحية للبكتريا أهمية في الوسط الي تعيش فيه. إذ أن هذه التراكيب السطحية المتباينة هي مواقع الإتصال بالبيئه المحيطه. فعلى البكتريا أن تستخدم مكوناتها السطحية لمعاينة البيئة التي تتواجد فيها و من ثم الإستجابة للظروف المحيطه بطريقة تضمن لها بقائها و إستمراريتها في تلك البيئه. تتحدد الخصائص السطحية للبكتريا من خلال المكونات الجزيئية الدقيقة المتواجده على أغشيتها و جدرها الخلوية، بما في ذلك مركبات السكريات المتعددة الدهنية (LPS)، و التراكيب السطحية الأخرى، مثل الأسواط Flagella، و الزوائد الخلوية Fimbriae، و الكبسوله Capsules.

 

قد تمتلك التراكيب البكتيرية السطحية وظائف بيولوجية أساسية ليس لها أية علاقة بالعمليات الإمراضيه. و من هذا المنطلق، فإن وظيفة LPS في الغلاف الخارجي للبكتريا السالبة لجرام يتعلق بخصائص النفاذية أكثر ن كونها مواد سامة للحيوانات. بالرغم من ذلك، فهناك العديد من الأمثلة التي تلعب فيها المكونات السطحية للبكتريا دور في العمليات الإمراضية المتعلقة بالأمراض المعدية.

قد تعمل التراكيب البكتيرية السطحية:

-         كحواجز إنتقائية تسمح بمرور إختياري للمواد الغذائية و إعاقة دخول المواد الضارة للخلية، على سبيل المثال العوامل المضادة للميكروبات

-         تعمل التركيب السطحية كعوامل إلتصاق تمكِّن البكتريا من الإلتصاق إلى أسطح نسيجية معيَّنه

-         قد تعمل هذه التراكيب السطحية كإنزيمات تحفِّز بعض التفاعلات الكيميائية على أسطح الخلايا، هذه التفاعلات ضرورية لبقاء البكتريا

-         تعمل بعض التراكيب السطحية كآليات وقائية ضد عملية البلعمة الخلوية

-         تمنح البكتريا خصائصها الأنتيجينية

-         تقوم هذه المركبات السطحية بتحسس الوسط المحيط من درجة الحرارة إلى ملوحة الوسط و كمية الضوء و الأكسجين و المواد الغذائية و الأسموزية… ألخ. و هذا التحسُّس يؤدي إلى توليد إشارات جزيئية إلى الجينوم الخلوي، مما يؤدي إلى إنتاج بعض عوامل الضراوة، مثل التوكسينات الخارجية على سبيل المثال.

و من الناحية الطبِّيَّة، فإن المكونات السطحية للخلايا البكتيرية هي المحددات الأساسية لعملية الضراوة للعديد من الكاائنات الممرضه. إذ تتمكن الكائنات الممرضة من إستعمار الأنسجة مقاومة عملية البلعمة الخلوية و مقاومة الإستجابة المناعية و إستحثاث الإلتهاب و تنشيط المكمِّل و الإستجابة المناعية في العائل بإستخدام العديد من المكونات التركيبية.

 

 

تركيب سطح الخلية البكتيرية

من الناحية التركيبية، فإن البكتريا تمتلك ثلاث مكونات أساسية هي: الزوائد السطحية، التي هي عبارة عن مركبات بروتينية ملتصقة إلى سطح الخلية، و هي تكون إما على هيئة أسواط Flagella أو شعيرات سطحية Fimbriae. المستوى التركيبي الثاني هي الأغشية الخلوية و التي تكون من الكبسولة و الجدار الخلوي و الغشاء البلازمي. و يمثل المستوى الثالث منطقة السيتوبلازم التي تحتوي على الجينوم الخلوي (DNA) و العديد من المكونات الخلوية الأخرى مثل الرايبوسومات التي تمثِّل مصانع البروتين.

فالمكونات السطحية للبكتريا هي الأغلفة السطحية بالإضافة إلى الزوائد المتصلة بها. الأسواط عبارة عن تراكيب بروتينية خيطية ملتصقة إلى أسطح الخلية تمكن الخلية من الحركة في معظم البكتريا المتحركة. و يتراوح قطر الأسواط البكتيرية حوالي 20 نانومتر و هذا أقل من قدرة المجهر الضوئي على مشاهدته. و يتم دوران السواط بواسطة جهاز تحريك في الغشاء الخلوي مما يسمح للخلية بالسباحة في الوسط السائل. و يتم إمداد الأسواط بالطاقة عن طريق قوة حركة البروتونات المتواجدة على الغشاء الخلوي.

تُظهر البكتريا أنواعاً متعددة من سلوكيات الإنجذاب، أي القدرة على الحركة أو السباحة كإستجابة إلى المحفزات البيئية. على سبيل المثال أثناء الجذب الكيميائي Chemotaxis يمكن للبكتريا أن تستشعر نوعية و كمية أنواع معينة من المواد الكيميائية في الوسط المحيط و السباحة تجاه هذه المركبات الكيميائية (إذا كانت مواد غذائية نافعة)، أو السباحة بعيدة عنها (إذا كانت هذه المواد ضارة). و في حالى الجذب الهوائي Aerotaxis، فإن البكتريا تسبح بإتجاه مصدر الأكسجين أو ربما بعيدة عنه. تُمثل الحركة عامل ضراوة لمجموعة بسيطة من البكتريا. ففي حالة بكتريا الكوليرا Vibrio cholerae، فإن عصويات البكتريا تسبح (فعلياً) إلى مخاطية الأمعاء كي تتلافي عملية طردها بفعل الحركة الدودية للأمعاء. تمتلك الأسواط خصائص أنتيجينية، ولذلك، فهي عُرضة للهجوم من قبل الأجسام المضادة للعائل. الأجسام المضادة الموجَّهة ضد أنتيجينات الأسواط يمكن أن تعمل على تلازن خلايا البكتريا أو تعمل على إعاقة حركتها، أو من المحتمل أنها تعمل على تسهيل عملية تناولها من قبل الخلايا اللاقمة، العملية التي يُطلق عليها Opsonization.

الزوائد الخلوية (Fimbriae or pili) تُستخدم لوصف تراكيب خلوية شعرية على سطح الخلية البكتيرية. الزوائد الخلوية أقصر من الأسواط و أصغر قليلاً في القطر. و كم هو الحال بالنسبة للأسواط، فإن الزوائد الخلوية تتكون من البروتين. هناك نوع متخصص من الزوائد الخلوية (يُطلق عليه Pilus) تُعرف بالزوائد الجنسية و هي تلعب دور في تمرير المادة الوراثية بين الخلايا البكتيرية المقترنة. تستخدم البكتريا هذه الزوائد الخلوية الخاصة بعملية الإقتران لتبادل الجينات الخاصة بعملية الضراوة من خلال آلية الإقتران (Conjunction)، و قد تلعب هذه الزوائد دوراً في تحديد ضراوة البكتريا.

أما فيما يتعلق بالزوائد البكتيرية الشائعة (Common pili)، فهي تلعب دوراً في عملية إلتصاق البكتريا إلى الأسطح في الطبيعة. و من وجهة نظر طبِّيَّة، فإن هذه الزوائد الخلوية تلعب دوراً هاماً في تحديد ضراوة البكتريا و ذلك لأنها تسمح للبكتريا الممرضة بالإلتصاق، و بالتالي إستعمار الأنسجة، و كذلك لمقاومة هجوم كريات الدم البيضاء اللاقمة، و هذه الوظيفة الأخيرة هي ما تقوم به الكبسولة الخلوية.

تمتلك الزوائد الخلوية قدرات أنتيجينية، و سوف تعمل الأجسام المضادة الإفرازية (sIgA) على إعاقة إستعمار الأنسجة من قبل البكتريا، في حين أن الأجسام المضادة IgG أو IgM سوف تعمل على تسهيل عملية بلعمة الخلايا البكتيرية بواسطة الخلايا اللاقمة.

تحتوي معظم البكتريا بصورة ما على طبقة من السكريات المتعدده خارج الجدار الخلوي. و بشكل عام، ُطلق على هذه الطبقة السُّكرية إسم الكبسولة. إلا أن الكبسولة الحقيقية هي التي تتكون من طبقة يمكن تحديدها من السكريات المتعددة و التي تتراكم خارج الجدار الخلوي. أما إذا كانت طبقة السكاكر المتعددة بسيطة على سطح الجدار الخلوي، عندها يُطلق عليها بالطبقة الرقيقة و ليس بالكبسولة. و تعمل الكبسولة أو طبقة السكريات المتعددة الرقيقة على الإلتصاق بشكل متخصص أو حتى غير متخصص إلى أسطح معينة. و من المعروف عن الكبسولة قدرتها على تهيئة الحماية للبكتريا ضد عملية البلعمة التي تتم من قبل الخلايا اللاقمة و كذلك من قبل العوامل المضادة للميكروبات.

في الطبيعة، و في العديد من الحالات الطبِّيَّة، فإن المستعمرات البكتيرية تعيش بصورة تُعرف بإسم Biofilm”” يتكون بشكل أساسي من العناصر المكونة للكبسولة الخلوية. يتألف هذا الفيلم الحيوي من خليط من البكتريا التي تعيش في بطانة من طبقة رقيقة من السكريات المتعددة التي يتم إفرازها من قبل أغشية البكتريا. أحد الأمثلة على هذا الفيلم الحيوي الطبقات المتكوِّنة على الأسنان. الميزة التي تُهيئها طبقة الأفلام الحيوية للبكتريا هو أنها تصبح أقل عُرضة للخلايا اللاقمة و العقاقير و كذلك للأجسام المضادة التي تعمل على الإرتباط بها و معادلة تأثيرها.

تمتلك العديد من المحافظ البكتيرية (الكبسولات) خصائص أنيتيجينة، و لذلك، فهي قادرة على إستحثاث و التفاعل مع الأجسام الضادة للعائل. و في الوقت الذي تُمثِّل فيه المحافظ البكتيرية أحد عوامل الضراوة الرئيسية لبعض أنواع البكتريا، (على سبيل المثال Streptococcus pneumonia)، فإن الأجسام المضادة الموجَّهة تجاه هذه الأنواع من البكتريا تعمل على معادلة قدراتها الإمراضية.

الجدار الجلوي للبكتريا هو أحد التراكيب الأساسية التي تقوم بحماية بروتوبلاست الخلية الهشّْ من الضغوط الإسموزية. يتكون الجدار الخلوي البكتيري من مبلمرات من السكاكر الثنائية مرتبطة بشكل عرضي مع سلاسل قصيرة من الأحماض الأمينية (البيبتيدات). هذا الجزيء هو نوع من البيبتيدوجليكان يُعرف بإسم “الميورين Murein” و الميورين هو مركب تنفرد به البكتريا. تبلغ سماكة الجدار الجلوي في البكتريا الموجبة لجرام 15-80 نانو متر و يتكون من طبقات متعددة من مركب البيبتيدوجليكان المرتبطة إلى مركب حمض التكويك (Teichoic acid). أما الجدار الخلوي في لبكتريا السالبة لجرام فهو أقل سُمكاً (حوالي 10 نانو متر فقط) و يتكون من طبقة مفردة من مركب البيبتيدوجليكان محاطة بتراكيب غشائية تُعرف بالغشاء الخارجي. تنفرد البكتريا بإمتلاكها مركب الميورين في الجدار الخلوي. كما أن الغشاء الخارجي للبكتريا السالبة لجرام يحتوي بصورة متباينة على مكوِّن فريد من نوعه هو السكريات المتعددة الدهنية Lipopolysaccharide (LPS) و يُطلق عليه كذلك التوكسين الداخلي (Endotoxin) و هو مركب شديد الُّمِّية للحيوانات

الجدار الخلوي تركيب معقَّد و يختلف بشكل أساسي في البكتريا الموجبة لجرام و السالبة لجرام. إن مكونات الجدار الخلوي في البكتريا هي أحد العوامل الأساسية في تحديد ضراوة البكتريا الموجبة و السالبة لجرام.

يستحث كل من الجدار الخلوي للبكتريا و مركب LPS و كذلك بعض أحماض التيكويك المسار البديل لنظام المكمِّل مما يؤدي إلى ظهور إستجابة إلتهابية. لبعض مكونات الجدار الخلوي القدرة على حماية البكتريا ضد عملية البلعمة التي تتم من قبل الخلايا اللاقمة أو حماية البكتريا من عملية الهضم. إن التباين في تركيب الجزيئات العملاقة في مكونات الجدار الخلوي قد تكون الأساس للتباين الأنتيجيني و كذلك أساس المقاومة المتخصصة من قبل العائل.

و تجدر الإشاره هنا إلى أن المكونات الأساسية للجدر الخلوية للبكتريا السالبة لجرام هي الهدف لنظام المكمِّل و بعض من المضادات الحيوية.

يتم الإخلال بسلامة الجدر الخلوية (البيبتيدوجليكان) من قبل إنزيمات العائل، مثل إنزيم الليسوزيم الموجود بشكل أساسي في معظم سوائل الجسم. كما أن العديد من المضادات الحيوية، وبشكل أساسي مركبات بيتا لاكتم (Beta-lactams) تُظهر تأثيراتها المضادة للميكروبات من خلال إعاقة تصنيع و تجميع مركب البيبتيدوجليكان.

إن تركيب الغشاء الخلوي البكتيري مشابهة من الناحية التركيبية للأغشية الخلوية في الخلايا حقيقة الأنوية (Eukaryotes)، فيما عدا أن الأغشية الخلوية البكتيرية تتكون من أحماض دهنية مشبعة أو أحادية التشبع (و ليس عديدة التشبع). و لا تحتوي بشكل طبيعي على سيترولات.

الغشاء البلازمي في البكتريا هو تركيب ديناميكي بشكل إستثنائي و الذي يقوم بوظائف عدة منها خاصية النفاذية الإختيارية، و تسهيل عملية نقل المركبات من و إلى الخلية، و إفراز المواد إلى الوسط المحيط، إضافة إلى توليد الطاقة. و بالحديث عن القدرات الإمراضية للخلية البكتيرية، فلا شك أن قدرة البكتريا في هذا الشأن تعتمد على سلامة و وظيفة غشائها الخلوي. فقد يكون الغشاء الخلوي مسئولاً عن إفرازات التوكسينات، و مقاومة العوامل المضادة للبكتريا، و التحسس للإشارات البيئية المحيطة بالخلية مما يعمل على تنشيط أو إيقاف نشاط بعض الجينات المسئولة عن ضراوة البكتريا.

الجراثيم الداخلية (endospores) عبارة عن تراكيب بكتيرية خاصة بالبكتريا الخاملة أو غير النشطة. تتكون الجراثيم الداخلية من قبل مجموعة من صغيرة من البكتريا كتراكيب داخل خلوية، إلا أنها تنطلق في نهاية المطاف كجراثيم داخلية حرَّه.

من الناحية البيولوجية، فإن الجراثيم الداخلية هي نوع مدهش من الخلايا، فهي لا تُظهر أي مظهر حيوي (Cryptobiotic)، كما تمتلك مقاومة عالية للطغوط البيئية مثل درجات الحرارة المرتفعة (إذ يمكن غلي بعض الجراثيم الداخلية لساعات عدَّة و من ثم إستعادة قدرتها على الإنبات)، و الأشعة، و الأحماض القوية، و المطهرات… و من المحتمل أنها أكثر الخلايا قدرة على البقاء في الطبيعة. و بالرغم من فقدان الجراثيم الداخلية مظاهر الحياة، إلا أنها قادرة على إستعادة قدرتها الحيوية تحت ظروف بيئة مناسبة؛ فهي تتمكن من الإنبات و العودة إلى الصورة الخضرية. تمثِّل الجراثيم الداخلية جنسين تابعين للبكتريا الموجبة لجرام هما Bacillus و هي بكتريا هوائية، و الجنس Clostridium و هي بكتريا لا هوائية مكونة للجراثيم. يحتوي كلا الجنسين على أفراد ممرضة، و تلعب الجراثيم الناتجة عن كلا هذين النوعين دور في سُمِّية و إنتقال و بقاء البكتريا الممرضة.

 

 

 

 

2- فسيولوجيا (وظائف أعضاء) البكتريا

يمكن لمعظم أنواع البكتريا النمو على الأوساط المزرعية. بالرغم من ذلك، فإن بعض البكتريا، مثل Mycobacterium leprae (المسببة لمرض الجذام Leprosy) و بكتريا Treponema pallidum (المسببة للزهري Syphilis) لا تتمكن من النمو على الأوساط المزرعية. مجموعة أخرى من البكتريا، مثل الكلاميديا Chlamydia، و الركتسيا Rickettsia تتضاعف فقط داخل خلايا العائل، و يمكن تنميتها في المزارع الخلوية.

تحت الظروف المناسبة، أي عند توفر الغذاء و درجة الحرارة و غيرها من عوامل النمو، فإن البكتريا سوف تزداد في الحجم و من ثم تحدث عملية الإنقسام إلى خليتين بنويتن متطابقتين. لهذه الخلايا القدرة على النمو و الإنقسام بنفس المعدل الذي إنقسمت فيه الخلايا الأبوية شريطة بقاء الظروف المحيطة بالخلايا ثابته. و يُعرف الوقت المطلوب لتضاعف البكتريا في المزارع الخلوية بعمر الجيل (Generation time)، و على سبيل المثال، فإن الوقت اللازم لإنقسام خلية بكتريا Escherichia coli هو حوالي 30 دقيقة عند الظروف المثالية.

 

متطلبات نمو البكتريا

تحتاج معظم البكتريا ذات الأهمية الطبِّيَّة العناصر الأساسية للحياة، أي الكربون و النيتروجين و الماء و الأملاح غير العضوية و مصدر للطاقة كي تنمو. لهذه الأنواع من البكتريا متطلبات متباينة من الغازات و درجة الحرارة و الأس الهيدروجيني و يمكنها تمثيل مدى واسع من مصادر الكربون و النيتروجين و الطاقة. تحتاج بعض البكتريا كذلك إلى عوامل نمو خاصة بما في ذلك الأحماض الأمينية و الفيتامينات.

متطلبات النمو هامة في إختيار العديد من الأوساط المزرعية المطلوبة في عمليات التشخيص في مجال الميكروبات و في فهم الإختبارات التي تتم لتعريف الأنواع المتباينة من البكتريا.

 

مصادر الكربون و النيتروجين

تصنَّف البكتريا إلى مجموعتين رئيسيتن بحسب مصادر مركبات الكربون التي تستخدمها:

1-   المغتذيات الذاتية Autotrophs هي البكتريا التي تستخدم الكربون غير العضوي من ثاني أكسيد الكربون و النيتروجين من الأمونيا و النترات و النيتريت. و ليس لهذا النوع من البكتريا أهمية طبِّيَّة تُذكر.

2-   المغتذيات المتباينة Heterotrophs و هي البكتريا التي تعتمد على المركبات العضوية كمصدر أساسي للكربون و الطاقة. و تنتمى البكتريا ذات الأهمية الطبِّيَّة إلى هذه الفئة.

ثاني أكسيد الكربون. تحتاج البكتريا غاز ثاني أكسيد الكربون (CO2) في عملية النمو. تتوفر كمية كافية من ثاني أكسيد الكربون في الهواء أو يتم إنتاجها خلال العمليات الأيضية للكائن ذاته. مجموعات أخرى من البكتريا تتطلب وجود المزيد من ثاني أكسيد الكربون للنمو، مثل بكتريا Neisseria meningitides.

الأكسجين. على أساس إحتياج البكتريا للأكسجين (O2) يمكن تقسيم البكتريا إلى أربع مجاميع:

-         بكتريا هوائية إجبارية obligate aerobes. تنمو هذه البكتريا فقط في وجود الأكسجين، أحد الأنواع التي تمثِّل هذه البكتريا Pseudomonas aeruginosa.

-         بكتريا لا هوائية إجبارية Obligate anaerobes. تنمو هذه المجموعة من البكتري فقط في غياب كلي للأكسجين في الوسط، و يمثِّل الأكسجين مادة سامة لهذا النوع من البكتريا. تُمثِّل Clostridium Tetani هذا النوع من البكتريا.

-         بكتريا لا هوائية إختيارية Facultative anaerobes يمكنها النمو في وجود الأكسجين أو في غيابه. و تمثله بكتريا E coli.

-         بكتريا مُحبَّة للأكسجين بكميات قليلة Microaerophilic لها القدرة على النمو بشكل أفضل في وجود تركيزات منخفضة من الأكسجين، و يمثلها بكتريا Campylobacter jejuni.

 

درجة الحرارة. على أساس تكيفها مع درجة الحرارة قُسِّمت البكتريا إلى ثلاث مجاميع:

-         البكتريا المُحبَّة للبرودة Psychrophiles، و تتراوح أفضل درجات الحرارة لهذه البكتريا أقل من 20 درجة مئوية، إلا أن بعضها قادر على النمو عند أقل من الصفر المئوي.

-         البكتريا المحبَّة لدرجات الحرارة المتوسطة، أي من 20- 45 درجة مئوية.

-         البكتريا المُحبَّة لدرجات الحرارة المرتفعة Thermophiles، لهذه البكتريا القدرة على النمو عند درجات حرارة أعلى من 45 درجة مئوية.

و بشكل عام تفضل معظم البكتريا الممرضة النمو عند درجة حرارة 37 مئوية. و إن قابلية البكتريا على النمو عند درجات الحرارة المنخفضة (صفر-4 مئوية) له أهميته في مجال حفظ و تخزين و تلوُّث الأغذية بالميكروبات. فعلى سبيل المثال، فإن بكتريا Listeria monocytogenes المسببة للتسمُّم الغذائي تنمو ببطء عند 4 درجات مئوية، مما يتسبب في حدوث إنتشار للتسمُّم الغذائي المتعلق بالأغذية المطهية و المحفوظة بالتبريد.

 

درجة الحموضة (الأس الهيدروجيني PH)

تنمو معظم البكتريا المُمْرضة بشكل أفضل في درجة حموضة تتراوح بين 7.2- 7.6، إلا أن هناك بعض الإستثناآت. إذ تفضل بكترياLactobacillus acidophilus، المتواجدة على طلائية المهبل في مرحلة البلوغ لدى الإناث، النمو في درجة حموضة منخفضة (4 تقريباً). تنتج هذه البكتريا حمض اللبن (lactic acid)، مما يُبقي الوسط المهبلي حمضياً. و تعتبر هذه إحدى الآليات التي يتم من خلالها إعاقة نمو البكتريا الممرضة. و في الجهة المقابلة، تفضل بكترياVibrio cholera المسببة للكوليرا النمو في وسط قاعدي تصل درجة حموضته إلى 8.5.

 

مراحل نمو البكتريا في الأوساط السائلة

عند إضافة لقاح بكتيري إلى الأوساط المزرعية السائلة فإنه يمكن تعقُّب نمو البكتريا من خلال تحديد العدد الكلي للبكتريا الحيَّة (Viable count) في مراحل زمنية متفرقة. يمكن تميز أربع مراحل من خلال دراسة منحنى النمو:

1-   طور الكُمُون Lag phase، و هي المرحلة الفاصلة بين عملية. تلقيح الوسط بنمو بكتيري حديث و بداية النمو.

2-   مرحلة التضاعف اللوغارتمي Log phase، و يتم في هذه المرحلة حدوث نمو مضطرد، كما يمكن مشاهدة حدوث عكارة في الوسط المزرعي عندما تصل أعداد البكتريا إلى حوالي عشرة آلآف خلية/مل

3-   مرحلة الثبات Stationary phase. يبدأ معدل النمو في هذه المرحلة بالإنخفاض و ذلك مع إنحسار مستوى المواد الغذائية في الوسط الغذائي و تراكم المخلفات الأيضية؛ و يصبح معدل إنقسام الخلايا مساوٍ لمعدل الموت الخلوي؛ أي أن أعداد الخلايا الحية يبقى ثابتاً نسبياً في هذه المرحلة.

4-   مرحلة الإنحسار Decline phase. ينخفض في هذه المرحلة معدل إنقسام الخلايا البكتيرية و يزداد معدل موت الخلايا مما يتسبب في إنحسار معدل الخلايا الحيَّة. و يمكن قياس معدل ثاني أكسيد الكربون في المزارع الخلوية لتحديد حجم النمو البكتيري في مزارع الدم و ذلك بإستخدام أجهزه حديثة قادرة على القيام بذلك.

 

 

 

 

 

 

 

                            منحدر النمو البكتيري في الأوساط السائلة

 

النمو على الأوساط الصلبة. يمكن تصليب الأوساط السائلة بإضافة مركب الأجار المستخلص من الطحالب. فعند تسخين الأجار لدرجة 100 مئوية يتحول إلى صورة سائلة و يبقى كذلك حتى تصل درجة الحرارة إلى 40 مئوية حيث يتحول إلى جل شفاف. و يتم عادة صب الأجار في أطباقو أحيانا في أنابيب. نمو البكتريا على الأوساط الصلبة يعمل على إنتاج مستعمرات. تتألف كل مستعمرة من آلآف من الخلايا الناشئة عن خلية مفردة. و لخصائص المستعمرات دور في عملية تعزيز تعريف البكتريا.

 

الأوساط المزرعية

كي يتم زراعة البكتريا معملياً علينا الأخذ في الحسبان المتطلبات الفسيولوجية. و لذلك، فقد تم تطوير العديد من الأوساط المزرعية السائلة و الصلبة للأغراض التشخيصيَّة. هناك عدة طرق لتقسيم الأوساط المزرعية. فعلى أساس قوامها قُسِّمت الأوساط المزرعية إلى سائلة و صلبة. تحتوي الأوساط الصلبة على نسبة من الأجار تتراوح بين 0.5-2%. و عند إضافة الأجار بنسبة ضئيله، (0.5%) يمكننا الحصول على أوساط شبه صلبة يمكن إستعمالها في نقل البكتريا.

الأوساط البسيطة أو الأوساط العامَّة. تنمو العديد من البكتريا على الأوساط البسيطة، من هذه الأوساط المرق المغذِّي أو الأجار المغذَّي المحتوي على البيبتون Peptone)) الذي يتم الحصول عليه من تحلل اللحم إنزيمياً.

الأوساط المُدعَّمة ُ Enriched media. تحتوي هذه الأوساط على مزيد من العناصر المغذية و ذلك لعزل البكتريا ذات متطلبات النمو الخاصَّة. إذ يمكن إضافة الدَّم أو الدَّم المُحلَّل (chocolate agar) إلى هذه الأوساط لإضافة المزيد من القيمة الغذائية لها.

الأوساط الإنتقائية Selective media. صُمِّمت هذه الأوساط لعزل و تنمية أنواع محددة من البكتريا دون غيرها. تعوق هذه الأوساط الإنتقائية نمو أفراد الفلورا الطبيعيَّة الأسرع نمواً. و للحصول على هذه الأوساط يتم إضافة عدد من المواد الكيميائية إلى الأوساط العامَّة أو التفريقية و بالتالي تحويلها إلى أوساط إنتقائية. قد تكون المواد المضافة أملاح أو تغيِّر الأس الهيدروجيني للوسط أو مواد كيميائية مثل المضادات الحيوية و ذلك بحسب نوع البكتريا المراد عزلها.

الأوساط التفريقية Differential media. صُمِّمت هذه الأوساط للمساعدة في تحديد و التعرُّف على أنواع محددة من البكتريا. وجود بعض الكواشف أو الأصباغ في هذه الأوساط يعمل على التفريق بين المجاميع المختلفة من البكتريا عند تغير الأس الهيدروجيني المتسبب عن النواتج الأيضية للبكتريا.

 

3-  تصنيف البكتريا

يُعتبر تصنيف الكائنات الدقيقة ذو أهمية فيما يتعلق بفهم الناحية السريرية للمرض. يتألف الإسم العلمي للكائنات الحية، بما في ذلك البكتريا، من شقِّين، فالشِّق الأول يُمثِّل إسم الجنس و يبدأ بحرف كبير يعقبه إسم النوع. على سبيل المثال بكتريا Escherichia coli، Staphylococcus aureus، و في الغالب يتم إختزال الأسماء كالتالي E coli،  S aureus و ُتكتب الأسماء العلمية للكائنات الدقيقة بخط مائل.

يمكننا تصنيف البكتريا ذات الأهمية الطبِّيَّة إلى خمس مجاميع أساسية بحسب أشكالها و تفاعلها مع صبغة جرام. تشمل الأشكال الأساسية البكتريا الكرويَّة Cocci، البكتريا العصويَّة Bacilli، البكتريا الواوية Vibrio، البكتريا الحلزونية Spiral و البكتريا مُتعددة الأشكال Pleomorphic. يتم تقسيم كل من هذه الأشكال البكتيريَّة كذلك بحسب تفاعلها مع الأصباغ (صبغة جرام، و الصبغ المقاوم للأحماض Acid fast stain). و بشكل أساسي، فإن البكتريا ذات الأهمية الطبِّيَّة قُسِّمت إلى طائفتين أساسيتين هما البكتريا الموجبة لجرام (Gram positive bacteria) و البكتريا السالبة لجرام (Gram Negative bacteria). الخصائص التقسيميَّة الأخرى تشمل قدرة البكتريا على النمو في وجود الأكسجين (بكتريا هوائية) أو في غياب الأكسجين (بكتريا لا هوائية) و كذلك القدرة على تكوين الجراثيم. تقسيم مجاميع البكتريا إلى أجناس يتم على أساس العديد من العوامل بما في ذلك الخصائص المزرعية (العوامل التي تتطلبها البكتريا لنموها و أشكال المستعمرات) و كذلك الخصائص الأنتيجينية و التفاعلات البيوكيميائية لهذه البكتريا.

 

 

 

 

 

 

 

مقارنة بين تركيب البكتريا السالبة و الموجبة لجرام

البكتريا الحلزونية (Spiral bacteria). تمتلك هذه البكتريا آلياف إسطوانية حلزونية الشكل، و يمكن تصنيف هذه البكتريا إلى ثلاثة أجناس ذات أهمية طبِّيَّة:

1-   Borrelia. تعتبر أفراد هذا الجنس كبيرة نسبياً و متحركة و تشمل كل من الأنواع التالية: Borrelia Vincenti، Leptotrichia buccalis، B recurrentis المسببة للحمَّى الراجعة (Relapsing fever).

2-   Treponema. أفراد هذا الجنس أقل سُمكاً إلا أنها أكثر إلتفافاً عن جنس Borrelia. أهم أفراد هذا الجنس Treponema pallidum المسببة لمرض الزهري (Syphilis)

3-   Leptospira. يمتلك هذا الجنس نوع واحد هو Liptospira interrogenas. و هناك حوالي 30 نمط مصلي لهذا النوع، العديد منها ممرضة.

البكتريا المقاومة للأحماض Acid-fast bacilli. تشمل هذه البكتريا جنس الميكوبكتيريم (Mycobacterium). و يتم تعريف هذه البكتريا بقدرتها على مقاومة الأحماض و الذي يعكس قدرة البكتريا على مقاومة عملية التخلص من الأصباغ، مثل صبغ الكربول فوكسين (Carbol fuchin)، بإستخدام الأحماض (إيثانول 97%، حمض هيدروكلوريك 3%). و بشكل عام، يصعب صبغ الميكوبكتريا بإستخدام صبغة جرام. و يمكن تقسيم هذه البكتريا إلى المجاميع التالية:

1-   عصويات السُّل (Tubercle bacilli)، و تشمل كل من بكتريا M Tuberculosis و M bovis.

2-   عصويات الجذام و يمثلها M leprae.

3-   الميكوبكتريا اللانمطية (Atypical Mycobacteria). بعض الأمراض المشابهة للسُّل و التي تصيب الإنسان تنشأ عن أنواع أخرى من اليكوبكتريا. فهذه البكتريا يمكنها النمو عند درجة حرارة 27 و 42 و 45 درجة مئوية. و بعضها يفرز أصباغ عند نموها في الضوء الخاصِّية التي يُطلق عليها “التلوُّن الضوئي Photochromogens”. في حين أن مجموعة أخرى قادرة على إنتاج الأصباغ في وجود الضوء أو الظلام و تُعرف بإسم “Scotochromogens”. و هناك أنواع من الميكوبكتيريا القادرة على النمو بشكل سريع. يُطلق على هذه الأنواع جميعا بشكل عام “الميكوبكتيريا اللانمطية” و الأنواع التي تمثِّل هذه المجموعة تشمل M kansasii المكوِّنة للأصباغ تحت تأثير الضوء، M avium-intra cellulare غير المكونة للصبغ و M chelonei سريعة النمو.

البكتريا الفاقدة للجدار الخلوي. بعض أنواع البكتريا مثل الميكوبلازما (Mycoplasma) غير قادرة على تكوين الجدر الخلوية. الأنواع المسببة للأمراض تشمل M pneumonia و Ureaplasma urealyticum.

هناك بكتريا يُطلق عليها L form فقدت جدرها الخلوية بسبب تعرضها لعوامل مثل المضادات الحيوية. لهذه الأشكال من البكتريا القدرة على التضاعف و تكوين مستعمرات شبيهة بمستعمرات الميكوبلازما.

Protoplast. هي خلايا بكتيرية فقدت جدرها الخلوية كذلك. هذه الخلايا نشطة أيضياً و قادرة على النمو، إلا أنها عاجزة عن التضاعف. هذه الخلايا قادرة على البقاء حية في الأوساط الثابتة أسموزياً.

 

4-  العلاقة بين الطفيل و العائل

طوَّرت الميكروبات العديد من الإستراتيجيات التي تُمكَّنها من البقاء و النمو في أنواع متباينة من الأوساط البيئية؛ و هذا ما يدعوا الميكروبات للتواجد في كل مكان تقريباً على سطح الأرض. تلعب الميكروبات دور مركزي في علم البيئة على المستوى العالمي و ذلك بسبب قدرتها على تحليل المواد العضوية. يُطلق على الميكروبات التي تعيش على المواد العضوية الميتة بالكائنات المترممة (Saprophytes). أما الميكروبات القادرة على النمو على/ أو في العوائل الحيَّة و لها القدرة على الحصول على إحتياجاتها الغذائية من عوائلها فيُطلق عليها الطُفيليَّات (Parasites). قد تكون هذه الميكروبات ذات فائدة لعوائلها، عندها تُعرف بالميكروبات المتعايشة (Symbiosis)، كما هو الحال في الميكروبات المتواجدة في أمعاء الحيوانات المُجْترَّة، إذ تُساعد هذه الميكروبات على تحلُّل مركب السليولوز، و هي خطوة اساسية في تغذية هذه الحيوانات.

الفلورا الطبيعية (Normal flora). يُشار إلى تلك الكائنات الدقيقة التي ترتبط مع الثدييات بالفلورا الطبيعية أو الكائنات المتعايشة (Commensalism). لأفراد الفلورا الطبيعية دور هام في الحيلولة دون حدوث العدوى بالأنواع المُمْرضة من البكتريا. و إن إختزال أعداد أفراد الفلورا الطبيعية بإستخدام المضادات الحيوية، على سبيل المثال، قد يؤدِّي إلى زيادة في نمو الكائنات المُمْرضة. تكيَّفت الكائنات المتعايشة إلى الأوساط المتواجدة فيها، كالجلد الجافّْ و الحموضة. و يمكن لهذه الكائنات أن تتضاعف دون أن تسبب العدوى، إلا أن لهذه الميكروبات القدرة على إختراق الحواجز الدفاعية عند تردِّي أو إحباط مناعة العائل.

الكائنات الدقيقة المُمْرضة (Pathogenes). يُشار إلى الكائنات التي تُسبِّب المرض بشكل متكرر بالكائنات المُمْرضة (Pathogenic). بالرغم من ذلك، فقد تتواجد هذه البكتريا أو الميكروبات على عوائلها دون أن يتسبب عن ذلك ظهور إصابات. فعلى سبيل المثال، تتواجد بكتريا Neisseria Meningitides، المسبِّبة لإلتهاب السحايا (Meningitis) في البلعوم لدى 5% من الأفراد البالغين الأصحاء دون أن يُسبب تواجدها لديهم أي ضرر.

العدوى (Infection). يُشير مصطلح العدوى إلى المظاهر السريرية التي تحدث عندما تقوم الكائنات الدقيقة بغزو العائل. و عندما تكون المظاهر السريرية للإصابة بسيطة أو غير ظاهر فإن هذه الإصابات تُعرف بتحت سريرية (Subclinical).

تنشأ العدوى الكامنة (Latent infection) عندما يستقر الكائن المُمْرض في جسم العائل لفترة طويلة من الزمن من دون حدوث إستجابة سريرية. ربما تنشأ الأعراض السريرية على العائل عند تغير الإتزان البيئي بين الميكروب و العائل و ذلك بسبب ضعف أداء الجهاز المناعي؛ على سبيل المثال، تُعتبر الإصابة بفيروسات الهربس أحد الأمثلة القوية على الميكروبات المسبِّبة للإصابات الكامنة.

الإصابات المُزْمنة (Chronic infections) تنشأ عندما لا يتم التخلُّص من الكائن المُمْرض بشكل تام و يستمر في إستحثاث الأعراض السريرية. الأمثلة على هذا النوع من العدوى الإصابة بالجذام (Leprosy) و كذلك العدوى بالديدان الطُفيّليَّة.

طوَّرت الميكروبات العديد من الآليات وعوامل الضراوة Virulence factors)) لمقاومة الوسائل الدفاعية للعائل و لتسهيل إنتقالها عبر العوائل. و تعتبر قدرة الميكروبات على البقاء خارج عوائلها أحد أهم العوامل في إنتقال الميكروبات. أما إنتقال الميكروبات غير القادرة على البقاء خارج أجسام عوائلها فيعتمد على إنتاج كميات كبيرة من هذه الميكروبات. في حين أن الميكروبات القادرة على البقاء خارج عوائلها، مثل بكتريا السُّل M tuberculosis، لا تحتاج إلى إنتاج كميات كبيرة كي تنتقل الجزيئات المعدية بشكل فاعل.

طوَّرت العديد من الكائنات الدقيقة كذلك عوامل متخصِّصة تمكنها من الإلتصاق إلى الأسطح الطلائية على سبيل المثال الزوائد الخلوية Pili)) المتواجدة على أسطح بكتريا N gonorroea. يُطلق على هذه الوسائل و غيرها من الوسائل “عوامل الضراوة”، و هي تساهم بشكل فاعل في إختراق الميكروب للخطوط الدفاعية للعائل و التكاثر على أو داخل جسم العائل. من العوامل الأخرى المتعلقة بضراوة البكتريا الإنزيمات المُحلَّلة لكريات الدم الحمراء (Hemolysins) و تلك المُحلِّله لكريات الدم البيضاء Leucocidins)) التي تختزل بشدة وظائف كريات الدم البيضاء اللاقمة. تعمل الكبسولة لدى البكتريا التي تمتلكها على إعاقة عملية البلعمة الخلوية.

تمتلك الكائنات الدقيقة العديد من الإستراتيجيات التي تعمل على معادلة تأثير الأجسام المضادة و ذلك عن طريق إنتاج أنتيجينات ذائية أو حُرَّة لها القدرة على معادلة تأثير الأجسام المضادة مما يعوق إرتباطها بأسطح الميكروبات. لمجموعة أخرى من الكائنات الدقيقة القدرة على إفراز إنزيمات مُحلِّله  ذات قدره على تكسير الأجسام المضادة. إن قدرة بعض الميكروبات على النمو و البقاء حية داخل الخلايا  يمثل تحدياً قوياً للجهاز المناعي داخل جسم العائل. فهذا التواجد داخل خلايا العائل يجعل الميكروب بمعزل عن الوسائل الدفاعية للعائل كالأجسام المضادة و الخلايا اللاقمة. بل أبعد من ذلك، إذ أن لبعض الميكروبات القدرة على مقاومة عملية الهضم التي تتم داخل الخلايا اللاقمة بآليات عدة أحدها إعاقة إندماج الأجسام اللاقمة (Phagosome) مع الأجسام الحالَّة (Lysosome) المحتوية على إنزيمات التحلُّل المائي.

من وسائل الضراوة الأخرى الفاعلة التي تمتلكها الكائنات الدقيقة قدرة بعض الميكروبات على إنتاج مواد سامَّة “التوكسينات Toxins”. و تُقسَّم هذه التوكسينات إلى توكسينات خارجية و أخرى داخلية. و سوف يتم التعرض لهذا الموضوع بمزيد من التفصيل في الفصول القادمة.

 

5-   المناعة تجاه الميكروبات

يحمي جسم الإنسان نفسه ضد الغزو الميكروبي بعدد من الوسائل. و يمكن تقسيم الآليات الدفاعية إلى آليات غير متخصصة Innate و أخرى متخصصة Adaptive. تعتبر وسائل الدفاع غير المتخصِّصة خط الدفاع الأول عندما يواجه العائل الميكروب. لا يختص هذا النوع من الوسائل الدفاعية بميكروب دون غيره، بل هو موجَّه ضد جميع الكائنات الدقيقة و الأجسام الغريبة على حدِّ سواء. أمَّا الآليات الدفاعية المتخصِّصة فقد صُمِّمت للعمل عندما يتم إختراق الوسائل الدفاعية غير المتخصَّصة. و هذا يشمل التعرُّف على مكونات خاصة على أسطح الكائنات الدقيقة (الأنتيجينات Antigens) و إنتاج عوامل مناعية (الأجسام المضادة و الخلايا اللمفاوية التائية)، و أخيراً تكوين الذاكرة المناعية الموجَّهة ضد الميكروب المُعدي.

و عند التعرُّض للميكروب لأول وهله، فإن الإستجابة المناعية المتخصِّصة تكون بطيئة التفاعل، و لذلك، فإن الجسم في هذه المرحلة يعتمد بشكل كبير على الوسائل الدفاعية غير المتخصِّصة. بالرغم من ذلك، فإن التعرُّض التالي لنفس الميكروب سوف يولِّد إستجابة مناعية سريعة (الإستجابة المناعية الداعمة Booster dose) من قبل الجهاز المناعي المتخصِّص. إن الإستجابة المناعية الموجَّهة ضد الميكروبات هي عملية مُعقَّدة، و للمساعدة على فهمها فمن الضروري وصف الأجهزة المختلفة المشاركة في دفاعيات العائل.و لا يجب الإعتقاد بأن الوسائل الدفاعية المتخصِّصة تعمل بشكل مستقل عن الوسائل الدفاعية غير المتخصَّصة، بل إن كل الآليات الدفاعية تعمل بشكل متناسق و متناغم.

 

الوسائل الدفاعية غير المتخصِّصة

يمكن تقسيم الوسائل الدفاعية غير المتخصِّصة إلى:

-         الحواجز الكيميائية

-         الخلايا اللاقمة

-         و نظام المُكمِّل

يُمثِّل الجلد أهم الحولجز التي تعوق دخول الميكروبات إلى الجسم؛ فجفاف الجلد و حموضته و عملية تقشُّره المستمرة تمثِّل حاجز يستعصي على الكثير من الكائنات الدقيقة تجاوزه. إلا أن الجروح و الحروق و بعض الأمراض التي من شأنها الإضرار بالجلد تقلِّل من الفاعلية الدفاعية للجلد و بالتالي يمكن للميكروبات تجاوز هذا الحاجز الدفاعي.

تُمثِّل كل من البلاعم الكبيرة    (Macrophage) و الخلايا متعددة الأنوية (PMN`s) أهم الخلايا المناعية التي تقوم بعملية البلعمة الخلوية (Phagocytosis). كما تلعب الخلايا القاتلة الطبيعية (Natural Killer) دور هام في التعرُّف على الكائنات الدقيقة و خاصَّة الفيروسات بشكل غير متخصص و قبل شروع الوسائل الدفاعية المتخصِّصة بأخذ أدوارها.

البلاعم الكبيرة عبارة عن خلايا أحادية الأنوية (Monocytes) تنتج في نخاع العظم و تهاجر إلى العديد من أنسجة الجسم و بشكل خاص العقد اللمفاوِّية و الطحال. و يُطلق في العادة على البلاعم الكبيرة أسماء عِدَّة بحسب النسيج الذي تتواجد فيه على سبيل المثال تُعرف البلاعم الكبيرة في الكبد بإسم “Kupffer”، أما تلك الخلايا المتواجدة في الرئتين فتعرف بإسم Aleveolar” macrophage”. لهذه الخلايا العديد من الوظائف الحيوية مثل بلعمة الخلايا و قتل الميكروبات داخل هذه الخلايا و تصنيع مكونات المكمَّل و السيتوكينات.

تنشأ الخلايا متعددة الأنوية (Polymorphes) من خلايا جذعية في نخاع العظم. و توجد بشكل أساسي في الدورة الدموية. و قد تظهر هذه الخلايا في الأنسجة فقط كجزء من العمليات الإلتهابية. تتواجد الغالبية العظمى من الخلايا المُحبَّبة متعددة الأنوية (PMN`s) في الطحال و بطانة الأوعية الدموية، و يتم إستقدام هذه الخلايا في حالات العدوى بالميكروبات. و إن الوظيفة الأساسية لهذه الخلايا هي عملية بلعمة الميكروبات و القضاء عليها.

البلعمة الخلوية Phagocytosis

البلعمة الخلوية هي الآلية التي تقوم بها الخلايا اللاقمة بتناول و إلتهام الجزيئات، مثل خلايا البكتريا، إلى داخل الخلية. تنجذب الخلايا البلعمية إلى الخلايا المستهدفة بواسطة مركبات كيميائية يُطلق عليها الجواذب الكيميائية (Chemotaxis). تشمل هذه المركبات الكيميائية نواتج بكتيرية و وسائط ناتجة عن عملية الإلتهاب مثل بعض نواتج نظام المُكمِّل. بعد وصول البلاعم الكبيرة إلى مناطق الجذب الكيميائي  تبدأ خلايا البكتريا بالإلتصاق إلى الخلايا البلعمية بآليات غير متخصِّصة و ذلك إعتماداً على الخصائص الفيزيائية و الكيميائية لسطح خلية البكتريا. في الخطوة التالية يتم إلتهام الخلايا البكتيرية من قبل الخلايا البلعمية بأسلوب مشابه للطريقة المشاهدة في إبتلاع الأميبيا للجزيئات حيث تكوِّن أرجل كاذبة (Pseudopodia) حول خلية البكتريا. و يتم في خاتمة المطاف تطويق الميكروب داخل جسم لاقم (Phagosome). و يتم داخل الخلايا اللاقمة القضاء على الأجسام الغريبة عن طريق إندماج الأجسام اللاقمة مع الأجسام الحالَّة (Lysosome) التي تحتوي على العديد من الإنزيمات المُحلِّله. عملية الإندماج هذه تؤدي إلى تكوين أجسام يُطلق عليها الأجسام اللاقمة المُحلِّله (Phagolysosome).

 

 

الآليات الدفاعية المتخصِّصة

طوَّرت معظم الكائنات المُمْرضة وسائل و إستراتيجيات (مثل الكبسولة و التوكسينات) و ذلك كي تتفادى أليات الدفاع غير المتخصِّصة. و يُشار إلى هذه الوسائل بعوامل الضراوة. و إستجابة لذلك، فإن العائل طوَّر أليات دفاعية متخصِّصة تعتمد في أساسها على التعرُّف على البروتينات الغريبة و الجزيئات الأخرى و التي تُعرف بالأنتيجينات (Antigens)، و ذلك من خلال تكوين جلوبيولينات مناعية متخِّصصة (الأجسام المضادة Antibodies) و كذلك الخلايا اللمفاوية التائية (T). تعمل هذه الوسائل الدفاعية على معادلة تأثير الميكروبات الغازية أو نواتجها (مثل التوكسينات) و تدعم بشكل فاعل الجهاز المناعي غير المتخصِّص.

 

الأنتيجينات. هي مركبات كيميائية قادرة على تحفيز الجهاز المناعي بشكل متخصِّص و إنتاج إستجابة مناعية متخصِّصة على شكل أجسام مضادة أو خلايا تائيَّة. تتواجد الأنتيجينات على أسطح الكائنات الدقيقة و هي تمثِّل مجموعة متباينة من البروتينات و الكربوهيدرات و البروتينات السكرية و البروتينات الدهنية. و تتباين الأنتيجينات في قدرتها على تحفيز الجهاز المناعي. و تمثِّل الأغلفة الميكروبية و الأسواط و التوكيسينات مجموعة متباينة من الأنتيجينات المُستهدفة من قبل الجهاز المناعي المتخصِّص للعائل.

 

الأجسام المضادة (Antibodies). يمكن تقسيم الأجسام المضادة (الجلوبيولينات المناعية) إلى خمسة صفوف أساسية هي IgG, IgM, IgA, IgE, وIgD، و التي تتباين في العديد من الخصائص الفيزيائية و الحيوية. لجميع الجلوبيولينات المناعية التركيب الأساسي نفسه. فالجزء Fab (الجزء الرابط للأنتيجين) من الجسم المضاد هو الجزء الذي يرتبط بشكل متخصِّص إلى الأنتيجين. أما الجزء Fc من الجسم المضاد فيرتبط إلى مستقبلات خاصة به تتواجد على الخلايا البلعمية مما يعمل على تسهيل عملية البلعمة الخلوية (Opsonization). يعمل الجزء Fc كذلك على تنشيط المُكمِّل من خلال الإرتباط بالمكوِّن C3b.

 

الخلايا اللمفاوية Lymphocytes

 

تُشتق الخلايا اللمفاوية من خلايا جذعية تنشأ من الغدَّة الثيموثية و نخاع العظام. توجد الخلايا اللمفاوية بشكل أساسي في العقد اللمفاوية و الطحال. تُقسم الخلايا اللمفاوية بشكل أساسي إلى مجموعتين من الخلايا هي الخلايا البائية (B cells) و تُعرف بهذا الإسم لأنها تصل مرحلة النضج في مرحلة النضج في نخاع العظام، و الخلايا التائية (T cells) التي تصل مرحلة النضج في الغدة الثيموثية Thymus. و على أساس الجزيئات و الدلائل السطحية على الخلايا اللمفاوية يمكن تقسيم هذه الخلايا إلى تحت مجاميع. يُطلق على أهم المجاميع الأنتيجينية المستخدمة في تصنيف الخلايا اللمفاوية Clusture determinants.

 

الخلايا اللمفاوية البائية

تمتلك الخلايا اللمفاوية البائية جلوبيولينات مناعية على أسطحها الخارجية. و خلال عملية التمايز، فإن الخلايا اللمفاوية البائية تمتلك جلوبيولينات مناعية على أسطحها الخارجية خاصة بنوع محدد من الأنتيجنات؛ و يُقال عندئذ أن هذه الخلايا اللمفاوية البائية خلايا فاعلة. تعرُّف الخلايا اللمفاوية على الأنتيجينات الغريبة (الميكروبات الغازية) يؤدي إلى إنتاج نسيلية (Clonal) تجاه نوع محدد من الأجسام المضادة الخاصة بهذا الأنتيجين. يُطلق على الخلايا اللمفاوية البائية القادرة على إنتاج الأجسام المضادة بالخلايا البلازمية (Plasma cells). تتحول بعض الخلايا المنتجة للأجسام المضادة إلى خلايا ذاكرة و تكون مسئولة عن الإستجابة المناعية الثانوية التي تتميز بسرعتها و فاعليتها و ذلك عند مجابهة نفس الميكروب أو الأنتيجين مرة أخرى.

يزداد تركيز IgM في الإستجابة المناعية الإبتدائية، إلا أن تركيزه ينخفض تدريجياً ليحل عنه الجسم المضاد من النمط IgG.

 

الخلايا اللمفاوية التائية

تمتلك الخلايا اللمفاوية التائية كلك مستقبلات سطحية قادرة على التعرُف على الأنتيجينات، و كما هو الحال مع الخلايا اللمفاوية البائية، فإن الخلايا اللمفاوية التائية تمثِّل مستقبِل أحادي لأنتيجين محدَّد. كما يحدث التضاعف النسيلي للخلايا التائية كإستجابة للأنتيجينات. هناك عدة أنواع من الخلايا التائية و التي يمكن التعرُّف عليها و عزلها من خلال أنتيجينات التمايز المتواجدة على أسطحها. يتواجد الأنتيجين CD4 على أسطح الخلايا التائية المساعدة (Th4)، أما الأنتيجين (CD8) فيتواجد على أسطح الخلايا التائية القاتلة أو السَّامَّة (TC).

للخلايا اللمفاوية التائية و البلاعم الكبيرة دور هام في المناعة الخلوية المضادة للفيروسات و البكتريا التي تمتلك القدرة على النمو داخل الخلايا اللاقمة على سبيل المثال بكتريا السُّل.

 

السيتوكينات Cytokines 

السيتوكينات عبارة عن مركبات كيميائية تلعب دوراً هاماً في عمليات التواصل الخلوي. و تشمل الإنترليوكينات Interleukins و الإنترفيرونات Interferons و عدد آخر من المركبات مثل Tumor necrosis factor (TNF) و Colony stimulating factor (GM-CSF) الذي يعمل على تحفيز الخلايا المُحبَّبة و الخلايا أحادية الأنوية.

هناك عدد من الوظائف التي تقوم بها السيتوكينات مثل تضاعف الخلايا و تمايزها و تنشيطها. و إن فهمنا لوظائف هذه المركبات لم يساعدنا فقط على فهم وظائف الجهاز المناعي فحسب، بل مكننا من إستخدام هذه العوامل كوسائل في علاج العديد من الأمراض.

 

6-   العدوى في المرضى المحبطين مناعياً

يتألف الجهاز المناعي من وسائل دفاعية متخصِّصة التي تمثلها المناعة الخلوية و المناعة بواسطة الأجسام المضادة، و وسائل دفاع غير متخصِّصة يُمثِّلها الجلد و الأغشية المخاطيِّة و نظام المكمِّل و الخلايا اللاقمة. و عند إختزال دور أي من هذه الوسائل الدفاعية في العائل، فإن العائل يقع عند ذلك في منطقة الإحباط المناعي (Immune compromised). المرضى المحبطين مناعياً أكثر قابلية لتكرار الإصابات الخطرة، و قد تحدث العدوى لدى هؤلاء المرضى المحبطين مناعياً إما من قبل الميكروبات المُمرضة التقليدية أي تلك الميكروبات القادرة على إحداث المرض  في الأفراد الأصحاء، أو قد تحدث الإصابة من قبل ميكروبات لا تُسبب عادة المرض في الأفراد الأصحاء. أنواع متباينة من الإعتلالات و الإختلالات المناعية ربما تجعل العائل عُرضة للعدوى بأنواع معيَّنه من الميكروبات.

فإستخدام القساطر في الإجرءآت الطبِّيَّة المختلفة يعمل على إختراق الجلد و بالتالي يُهيِّء المجال أمام الميكروبات المتعايشة للعبور إلى المواقع العميقة من الأنسجة. يرتيط هذا النوع من العدوى الميكروبية بصورة شائعة مع بكتريا ستافيلوكوكس غير المفرزة لإنزيم الكوأجيوليز (Coagulase) إلى الجسم أثناء العمليات الجراحية ذاتها. لهذه الميكروبات القدرة على الإلتصاق إلى أسطح الأعضاء الصناعية المغروسة و التسبب في إنتشار العدوى داخل الجسم.

 

الإحباط المناعي و الإصابات الميكروبية المرتبطة بالحروق. الحروق التي تتسبب في تضرر مساحات واسعة من الجسم تعمل أيضاً على الإخلال بوظائف الخلايا المتعادلة (Neutrophil) و كذلك الإستجابة المناعية بواسطة الأجسام المضادة. فالسوائل التي تنضح من مواقع الحروق تُهيِّء وسطاً غذائياً خصباً للعديد من الميكروبات المُستعمِرة و هذا بالتالي يؤدي إلى حدوث العدوى. الميكروبات الغالبة في عدوى الحروق تشمل العصويات الهوائي السالبة لجرام مثل Pseudomonas aeroginosa، S aureus، Streptococcus pyrogenes.

تعتمد طبيعة العدوى الميكروبيَّة و كثافتها على طبيعة الإحباط المناعي و درجته. فقد يكون الإحباط المناعي بسيط أو عابر، كما هو الحال أثناء الحمل، حيث تنخفض بعض المؤشرات المناعية لدى المرأة الحامل، و كما هو الحال في الأطفال حديثي الولادة. و قد تكون حالات الإحباط المناعي أكثر عُمقاً، كما هو الحال في حالات النقص المناعي الورثي أو النقص المناعي المكتسب الناتج عن التعرُّض للعقاقير السَّامة للخلايا (Cytotoxic drugs) المستخدمة في علاج الأورام السرطانية  أو كإجراء لتقبُّل الأعضاء المغروسة. أو التعرُّض للأشعَّة و العديد من المواد السَّامة. هذا النوع من الإحباط المناعي يكون قوياً. و في مثل هذه الحالات فإن هذه الظروف من الإحباط المناعي تُهيِّء للميكروبات المتعايشة فُرصة قوية كي تُظهر قدراتها الإمراضية التي عجزت عنها في تواجد أجهزة مناعية سليمة.

وبشكل عام، فإن النقص في الإستجابة المناعية الخلوية يؤدي إلى زيادة معنوية في الإصابات الفيروسية أو الميكروبية التي يعتمد التخلُّص منها على الجهاز المناعي الخلوي. في حين أن نقص إستجابة الأجسام المضادة يتسبب في زياد الإصابة بالبكتريا. و قد تُسبب العمليات الجراحية و الإجهادات النفسيَّة حدوث نقص عابر في القدرات المناعية، إلا أن إستعادة كامل نشاط الجهاز المناعي يعتمد على التخلُّص من هذه الضغوط المؤقَّته.

 

7- التمنيع (Immunization)

إن الهدف من عملية التمنيع هو زيادة عناصر المناعة المُتخصَّصة تجاه العدوى الميكروبية. و يمكننا إنجاز ذلك من خلال حقن الأمصال المناعية، و هو ما يُعرف بالتمنيع السالب Passive immunization)) أو من خلال إعطاء الأنتيجينات التي تُحفِّز الجهاز المناعي للعائل بدون أن تتسبب في إحداث المرض، وهذه هي إحدى صور التمنيع النشط (Active immunization).

 

التمنيع السالب (Passive immunization)

يُهيِّء التمنيع السالب، أو ما يُعرف بالعلاج المناعي (Immunotherapy)، حماية سريعة المفعول. غير أن هذه المناعة المصطَّنعة بواسطة الأجسام المضادة سرعان ما تتلاشى في فترة زمنية قصيرة قد لا تتجاوز الستة أشهر. الأجسام المضادة المستخدمة في هذا النوع من عمليات التمنيع يتم الحصول عليها من خلال أفراد متطوعين تعرَضوا للقاحات حديثاً، حيث يمتلك مثل هؤلاء الأفراد تركيزات عالية من الأجسام المضادة لنوع محدَّد من الميكروبات. بالرغم من ذلك، فإن الأجسام المضادة للميكروبات شائعة التواجد، على سبيل المثال إلتهاب الكبد A، تكون مرتفعة في أفراد المجتمع عموماً، مما يسمح بإستخدام الجلوبيولينات المناعية سابقة التصنيع في الحالات التالية:

-         في الأفراد الأصحاء عند التعرض لبعض الميكروبات المُمْرضة (الدفتريا، داء الكَلَب، إلتهاب الكبد) و تطلَّب الأمر إنشاء حالة سريعة من الإستجابة المناعية.

-         عند الحاجة للحصول على حالة وقائية في المرضى المحبطين مناعياً و المصابين بأنواع محددة من الميكروبات مثل الحصبة(Measles)  أو الإصابة بفيروسات الهربس (Varicella-zoster)

-         في حالات علاج العدوى في مرضى الإحباط المناعي الناتج عن العلاج بالعقاقير السَّامة للخلايا.

يمكن كذلك الحصول على الأجسام المضادة من خلال حقن الأنتيجينات، كالميكروبات أو جزء منها أو التوكسينات التي تفرزها، إلى حيوانات مثل الأحصنة و الحصول على الأمصال المضادة بكميات وفيرة. إلا أن أحد عوائق هذه العملية هو تعرُّف الجهاز المناعي للعائل على هذه الأجسام المضادة على أنها أجسام غريبة  و مهاجمتها و التخلُّص منها في فترة وجيزة و بالتالي ظهور الحاجة إلى تكرار الجرعة. إضافة إلى إحتمالية تكوّن نوع من التحسُّس تجاه هذا النوع من الأجسام المضادة غريبة المصدر.

التمنيع النشط (Active immunization)

إن أساس هذا النوع من عمليات التمنيع يعتمد على تحفيز إنتاج الخلايا البائية و خلايا تائية متخصِّصة (إستجابة مناعية إبتدائية) و التي تتطور إلى خلايا ذاكرة. إن التعرُّض التالي لنفس الميكروب سوف يؤدي بالتالي إلى إستجابة مناعية سريعة (إستجابة مناعية ثانوية). إن أحد أهم مزايا التمنيع النشط هو إستدامة الوقاية تجاه الميكروب أو الأنتيجين لفترة طويلة من الوقت. و غالباً ما تستمر هذه الوقاية طيلة العمر إلا أنها تحتاج أسابيع عدة كي تكون فاعلة. و تعتمد إستراتيجيات هذا النوع من التمنيع على:

-         وقاية الأفراد من العدوى الميكروبية

-         إختزال مُعدَّل العدوى في المجتمعات

-         إستئصال العدوى في مناطق معينة أو على مستوى العالم، على سبيل المثال إستئصال مرض الجدري (Smallpox).

هناك عدة شروط يجب توافرها في اللقاحات (الفاكسينات) و هي:

-         أن تكون اللقاحات قادرةً على إستحثاث كمِّية كافية و مناسبة من الإستجابة المناعية بدون أن تتسبب في حدوث عدوى فاعلة.

-         أن تكون آمنة الإستخدام

-         أن تكون غير باهظة الثمن

-         لها ثباتية بحيث يستطيع الجهاز المناعي التعرُّف عليها و تكوين إستجابة مناعية مناسبة لها

-         أن تكون سهلة التناول.

أنواع اللقاحات. يمكن تقسيم اللقاحات إلى عدة أنواع، فهناك اللقاحات المُضعَّفة (live Attenuated)، و الكائنات المقتولة و أيضاً التوكسيدات (Toxoids).

-         اللقاحات الحيَّة المُضعَّفه (Live attenuated vaccines). تُحضَّز هذه اللقاحات من ميكروبات تم تعديل أو تعطيل قدراتها الإمراضية مع الحفاظ على قدراتها المناعية. هناك وسائل و طُرق عِدَّة لإضعاف القدرات الإمراضية للميكروبات أحدها تمرير الميكروب خلال مزارع مُصْطَنعة لمرات عدة يفقد خلالها الميكروب قدرته على إحداث العدوى لكنه يحتفظ بنفس قدراته الأنتيجينة التي تُحفِّز الجهاز المناعي. تُستخدم هذه الآلية لتحضير العديد من الفاكسينات الفيروسية و كذلك اللقاح الخاص ببكتريا السُّل (Bacille Calmette Guerin BCG).

-         المزايا التي يُهيئها هذا النوع من التمنيع أن عملية تضاعف الميكروب المُضعَّف تُحاكي بشكل كبير الإصابة الحقيقية. و في الغالب، فإن عملية التمنيع تتطلب جرعة واحدة فقط، كما أن هذا النوع من التمنيع غير مكلف.

-         أما المضاعفات المحتمل حدوثها بسبب هذا النوع من اللقاحات فهو إمكانية حدوث الطفرات في الميكروب مما قد يؤدِّي إلى ظهور سلالات ضارية. كما أن المزارع الخلوية المستخدمة لإنتاج الفيروسات قد تُصبح ملوثة بفيروسات أخرى. كما يجب عدم تعريض الأفراد المحبطين مناعياً لمثل هذا النوع من اللقاحات، كما أنه لا يجب تعريض النساء الحوامل لهذا النوع من اللقاحات.

الكائنات المقتولة. يمكن قتل الميكروبات بوسائل عدَّة لتحجيم قدراتها الإمراضية و ذلك إما من خلال معالجتها بالحرارة أو المواد الكيميائية مع الإحتفاظ بقدراتها المناعية على إستحثاث و تحفيز الجهاز المناعي للعائل. من مميزات هذه اللقاحات هو إمكانية إعطائها للأفراد المحبطين مناعياً، إذ أنها سلالات ميِّته لا يمكن أن تتحول إلى أفراد ضارية. و في المقابل، فإن هذه الكائنات عاجزة عن التضاعف في الأنسجة، و بالتالي قد يتطلب الأمر عدة جرع للوصول إلى الأثر المطلوب. كما أن هذا النوع من اللقاحات يعتبر مرتفع الثمن نسبياً مقارنة باللقاحات المقتولة.

التوكسيدات (Toxoids) عبارة عن توكسينات مُضعَّفة تم معاملتها بالمواد الكيميائية (الفورمالدهيد على سبيل المثال) مما أدَّى إلى فقدانها قدراتها السَّامة مع الإحتفاظ بقدرتها على تحفيز إستجابة مناعية فاعلة. من أمثلة التوكسينات المعاملة بهذه الطريقة لإنتاج اللقاحات توكسين الدفتريا و توكسين التيتانوس.

و عوضاً عن إستخدام كامل الجزيء الميكروبي، فإنه بالإمكان تعريف و تنقية الوحدة الأنتيجينية الأهم  لإستخدامها في إستحثاث الجهاز المناعي. و مثال ذلك هو إستخدام اللقاحات الخاصَّة بالكبسولة متعددة السكريات في التمنيع ضد بكتريا ستربتوكوكس Pneumococci المُسبِّبة لإلتهاب السحايا (Meningococci) و كذلك بكتريا H infuenzae النمط B. يمكن الآن تصنيع بعضاً من هذه الأنتيجينات بواسطة تقنيات الهندسة الوراثية.

 

أحمد مصطفى كمال البوَّاب

المَوْت الخَلَوي

Cell Death

الموت الخلوي هو أحد أسرع المجالات نمواً في أبحاث السرطان. و أصبح معروفاً الآن بشكل جيد أن إحدى الخصائص الأساسية في الكائنات متعددة الخلايا هو وجوب موت بعض الخلايا كي يتطور الكائن الحي بالشكل الصحيح و كي يحافظ على توازنه و صحته. إن هذا الميل للموت لمصلحة الكائن الحي يحدث من خلال تفكُّك ممنهج للخلايا عبر إستجابة أطلق عليها الموت الخلوي المبرمج Programed cell death (PCD). إن أعداد الخلايا في الكائن الحي تحت سيطرة مُحكمة من خلال توازن رائع بين التضاعف الخلوي و تمايز الخلايا من جهة و الموت الخلوي من جهة أخرى. و في الواقع، ففي الثدييات، فإن آلآف الملايين من الخلايا الطلائية و خلايا الدَّم تموت يومياً. و من الظاهر، فإن ضخامة الموت الخلوي في الكائنات متعددة الخلايا يبدوا أنها مجرد هدر كبير لا حاجة له. إلا أن هذه العملية تلعب أدواراً هامة في الحفاظ على الإتزان الذي يضمن محافظة أنسجة الفرد على أحجامها الصحيحة و وظائفها المناسبة.

يمكن أن تخضع جميع الخلايا حقيقية الأنوية لإستجابة الموت الخلوي و التي يمكن تحفيزها من خلال مُحفِّزات داخل الخلية أو من خارجها. أحد الأمثلة الهامة لهذه الظاهرة تشاهد في تطوُّر الفقاريات أثناء عملية نحت الأصابع، حيث تموت الخلايا ما بين الأصابع في عملية موت إنتقائية. مثال آخر كذلك، هو التخلُّص من الخلايا اللمفاوية التي تستجيب للأنتيجينات الذاتية. يتم تصنيع مولدات خلايا الدَّم بشكل مستمر بكميات فائضة في نخاع العظم؛ بالرغم من ذلك، فإنه يتم التخلُّص من هذه الخلايا المولِّدة وذراريها عبر آلية الموت الخلوي المُبرمج، و هذا يمنع زيادة إنتاجها و يحول دون الحالات المرضية التي تنشأ عن ذلك مثل أمراض اللوكيميا و اللمفوما، أو زيادة إنتاج كريات الدَّم الحمراء.

إذاً من الضروري وجود إتزان بين التضاعف الخلوي و تمايز الخلايا من جهة و موتها من جهة أخرى. و في الواقع، فإن إختلال هذه الإتزان سوف يؤدِّي إلى تنشيط الأمراض.
تصف كلمة الموت الخلوي المبرمج (Apoptosis)، إغريقية الأصل، طريقة سقوط بتلات الزهور أو أوراق الأشجار. و قد تم إقتراح هذا المصطلح لأول مرة عام 1972 من قبل Kerr وزوملاؤه لوصف مسار معقد من الموت الخلوي المبرمج. و بالرغم من أن ظهور مثل هذا المسار قد تم توقعه مسبقاً، إلا أن فكرة موت الخلية بشكل مُنظَّم و طوعي وجدت صعوبة في تقبُّلها بداية الأمر. يتميز الموت الخلوي المبرمج بعدد من المظاهر تشمل إنكماش الخلية، إضافة إلى ظهور نتؤات أو براعم (blebs) على الغشاء الخلوي و تكثُّف المادة الكروماتينية داخل النواة مع حدوث تجزُّء لجزيء DNA.

إن الصفة المميزة للسرطان هي قدرته على مقاومة الموت الخلوي. و إن مقاومة الخلايا السرطانية للموت الخلوي ليست كاملة، إلا أنها تهيّء قدرة إضافية لبقاء هذه الخلايا حية تحت ظروف مُعيَّنه من الضغوط على الخلية. تتمثَّل هذه الضغوط في الوسط الدقيق حول الخلية السرطانية. و يشمل ذلك في العادة نقصان كمِّية الأكسجين، أو نقص المواد الغذائية، أو عند تعرض الخلايا السرطانية إلى مركبات العلاج الكيميائي أو التعرض للإشعاع. و بشكل عام، فإن العقبة الرئيسية في علاج السرطان هي عدم القدرة على القضاء على الخلايا السرطانية بشكل إنتقائي من بين الخلايا الطبيعية غير المريضة.
إن إكتساب الخلايا السرطانية مقاومة للموت الخلوي المبرمج هي السمة البارزة في المرحلة المتأخرة للإنتشار الورمي الخبيث. و في الحقيقة، فإن معظم الأثار الجانبية للعلاجات الكيميائية التقليدية تنشأ من إستحثاث الموت الخلوي المبرمج في الأنسجة الآخذة في الإنقسام بشكل طبيعي، مثل خلايا الأمعاء و خلايا نخاع العظم. و لهذا، فإن فهم الآليات الجزيئية التي تستحث الموت الخلوي تعتبر ضرورية لتطويرعلاجات كيميائية جديدة تمتلك فاعلية في علاج السرطان و الوقاية منه.

لقد أدَّت الدراسات بواسطة المجهر الإلكتروني على الخلايا التي تخضع للموت الخلوي إلى تصنيف ثلاثة أنواع مختلفة – على الأقل- من الموت الخلوي و التي يمكن تميزها مظهرياً. و تشمل مسارات الموت هذه، الموت الخلوي المُبرمج (Apoptosis)، البلعمة الذاتية (Autophagy)، و الموات الخلوي (الموت الخلوي العرضي Necrosis). و في حين يقوم الموت الخلوي المبرمج و البلعمة الذاتية على تحطيم الخلية من الداخل، فإن الموات الخلوي يتسبب في فقدان سلامة غشاء البلازما مُطلقاً المكونات الداخلية للخلية إلى الوسط الخارجي. و من المعروف أن هذه المسارات الثلاثة يتم السيطرة عليها بشكل مُحكم، مما يلعب دوراً أساسياً في تطوُّر الكائن الحي و الحفاظ عليه. إضافة إلى لعب هذه المسارات الخاصة بالموت الخلوي أدواراً هامة كذلك في حالات مرضية، مثل تحلُّل الأعصاب (neurodegenerative)، الإصابات الميكروبية الحادة، أمراض المناعة الذاتية، إضافة إلى السرطان. و في مثل هذه الحالات، فإن وظيفة هذه المسارات تُملي إحتمالية بقاء الكائن الحي على قيد الحياة أو موته. ومن هذا المنطلق، فإن الطفرات في المادة الوراثية الخاصة بهذه المسارات، التي تُسيطر على موت الخلية، قد أظهرت دورها الكبير في الحالات المرضية و بشكل خاص فيما يتعلق بتطوُّر السرطان و مقاومته للعلاجات الكيميائية.
و على النقيض من الموت الخلوي المبرمج، فإن الموت الخلوي العرضي Necrosis (أو الموات الخلوي) يحدث كنتيجة للإصابات غير المقصودة سواء كانت إصابات ناتجة عن المواد الكيميائية أو الحروق أو نقص وصول الأكسجين للأنسجة. و في هذا الموت الخلوي العرضي، فإن الخلايا تنتفخ ومن ثم تنفجر مطلقة محتوياتها بشكل عشوائي إلى الوسط المحيط. إن الأسباب التي تعمل على تحفيز الموت الخلوي المبرمج أو الموات الخلوي (الموت الخلوي العرضي) و الخصائص التي تصاحب كل منهما تختلف بشكل كبير؛ مما حدا بالإعتقاد أن كل منها هو حدث مستقل بذاته تماماً. بالرغم من ذلك، فإن الموت الخلوي المبرمج و الموت الخلوي العرضي قد بديا أكثر تشابهاً في العمليات التنظيميَّة لهما أكثر مما كان يُعتقد سابقاً، حيث يتشاركا في العديد من المسارات الخاصة بالإشارات الخلوية. و يظهر هناك في العادة توازن محكم بين كلا النمطين من الموت الخلوي، و إن المحصِّلة النهائية و العواقب التي قد تلحق بالكائن الحي قد تكون مختلفة كُلِّيَّة إعتماداً على المسار الخلوي الذي تم إنتهاجه حتَّى النهاية.

آليات الموت الخلوي المبرمج

إن الذي يمنح الموت الخلوي المبرمج أهميته و صعوبته في الدراسة في ذات الوقت. هو تعدد المسارات الخاصة به. هناك عدة آليات للموت الخلوي المبرمج، و إن أيٍ من هذه الآليات على حده تكون كافية لتنشيط الموت الخلوي. و لكل مسار من هذه المسارات العوامل الخاصة به و التي تعمل على تنشيطه أو تثبيط نشاطه. ففي وجود بعض المثبطات المتخصصة لأحد هذه المسارات، فإن أحداث الموت الخلوي تستمر من خلال آليات مسارات أخرى.

يمكن تحفيز الموت الخلوي المبرمج عبر أحد مسارين. المسار الخارجي، و الذي يتم من خلال توسُّط مستقبلات خارجية على أسطح الخلايا. و تُعرف هذه المستقبلات بمجملها ب “مستقبلات الموت Death receptor” و التي ترتبط إلى العديد من المركبات خارج الخلية التي تقوم بتنشيطها. تتبع مستقبلات الموت (DR) هذه إلى عائلة العوامل المُحلِّلة للأورام “tumor necrosis factors”. , أحد هذه المستقبلات المعروفة بشكل جيد في هذه العائلة الكبيرة هو Fas/CD95 و الذي يرتبط الي المركب المحفِّز له FasL/CD95L. و بمجرد الإرتباط يتفاعل هذا الزوج مع مجال الموت المرتبط مع Fas (Fas-associated death domain) (FADD) داخل الخلية. و عند هذه المرحلة، يُصبح المعقد جاهزاً لتنشيط مسار الموت الخلوي داخل الخلية.

هناك مجموعة من البروتينات التي لولاها لما تمَّت عملية الموت الخلوي المبرمج. يُطلق على هذه البروتينات “الكاسبيسات” Caspases. و حتى الوقت الراهن، تم تعريف حوالي 14 من هذه البروتينات. لبعض هذه البروتينات دور كذلك في تنشيط السيتوكينات. و قد يكون لها دور مزدوج في كل من الموت الخلوي المبرمج و في عمليات التطوُّر و التمايز الخلوي في الكائن الحي. و من منظور الموت الخلوي المبرمج، فإنه يمكن تصنيف بروتينات الكاسبيسات إلى تلك المنشِّطة و الفاعلة؛ ليس فقط على أساس وظائفها، بل أيضاً على أساس الإختلاف في تركيبها.

يتم حفظ و تخزين هذه البروتينات الإنزيمية داخل الخلايا على صورة غير فاعلة (زايموجينات Zaymogens). و يتم تفعيل الكاسبيسات الفاعلة عبر شطرها عند الحمض الأميني الأسبارتيك. يُطلق على المسار الداخلي للموت الخلوي المبرمج بمسار الميتوكندريا، و ذلك لدورها في تفعيل الموت الخلوي المبرمج. و يعتبر تحطُّم جزيء DNA هو المُحفِّز الإبتدائي للموت الخلوي المبرمج من خلال الميتوكندريا. إلا أن أسباب أخرى من الإجهادات الخلوية، إضافة إلى العديد من بروتينات الموت الخلوي المبرمج، يمكن أن يكون لها نفس التأثير. إن الآلية التي تستطيع من خلالها الميتوكندريا إشعال شرارة الموت الخلوي المبرمج تتم بشكل أساسي من خلال مركب سيتوكروم C.

إن بروتينات الكاسبيس المختلفة التي تدخل في عملية الموت الخلوي تكون في الغالب إختيارية لأحد مساريّْ الموت الخلوي المبرمج. إذ يرتبط المعقَّد FADD بشكل تفضيلي مع Caspase 8 و يعمل على تنشيطه. يعمل Caspase 8 النشط من ثَمَّ على تنشيط Caspase 3 و هو ما يُعزِّز من قوة إشارة الموت الخلوي المبرمج. على النقيض من ذلك، فإن مسار الميتوكندريا، على النقيض من المسار الخارجي، يعتمد على قابلية سيتوكروم C للإرتباط بالعامل المنشِّط للموت الخلوي المبرمج (Apoptotic protease activating factor Apaf) و Procaspase 9. يُطلق على هذا المُعقَّد إسم “Apoptosome”، و لهذا المعقَّد القدرة على تنشيط Caspase 3.

يظهر سيتوكروم C بشكل طبيعي مرتبط بشكل ضعيف بالغشاء الداخلي للميتوكندريا. بالرغم من ذلك، فإن سيتوكروم C هو لاعب أساسي في مسار الموت الخلوي المبرمج عند إنطلاقه من الميتوكندريا. و يمكن أن يُحفِّز سيتوكروم C الموت الخلوي المبرمج مباشرة عند حقنه داخل الخلية، متجاوزاً الإشارات ما قبل الميتوكندريا اللازمة لتحفيز الموت الخلوي المبرمج.

و إضافة إلى السيتوكروم C، تطلق الميتوكندريا العديد من العوامل التي لها القدرة على التداخل في مسار الموت الخلوي المبرمج. و إن نمط و خصائص الموت الخلوي يختلف بين العديد من المحفزات، حتى بين إثنين من المحفزات التي تسبب نفس النمط من الموت الخلوي.

دور مركَّب ATP في الموت الخلوي المبرمج

يُعتبر وجود مركب ATP ضروري في العديد من الأحداث الخاصة بالموت الخلوي المبرمج. إن وجود أو غياب مركب ATP له تأثير كبير فيما إذا كان الموت الخلوي سوف يتقدَّم إلى موت خلوي مبرمج بدلاً من موت خلوي عرضي. و يُعرف عن بعض الأحداث في الموت الخلوي المبرمج أنها تعتمد على مركَّب ATP. و تشمل هذه الأحداث حركة الكروماتين في محيط النواة، و تكوين الأجسام البرعمية Apoptotic Bidies))على سطح الخلية، إضافة إلى تكوين المركب Apaf.

النظرية التي تربط مسار الموت الخلوي المبرمج في الخلايا بكمية ATP المتاحة قد أُقترحت في عام 1996. و منذ ذلك الوقت تمَّ تأكيد هذه النظرية بالعديد من التجارب. و عند المعالجة بمركب يؤدي – بشكل كلاسيكي- إلى حدوث الموت الخلوي المبرمج، فإن الخلايا التي إفتقرت إلى مركب ATP تحوَّلت إلى الموت الخلوي العرضي. إلا أن إستعادة مركب ATP، إما بواسطة تحلل الجلوكوز Glycolysis، أو من خلال إنتاجه من قبل الميتوكندريا، أدَّى إلى الحيلولة دون حدوث الموت العرضي Necrosis))، و سمح بإستمرار حدوث الموت الخلوي المبرمج. ما تعنيه هذه المشاهدات هو أن كل خلية سوف تبدأ الموت الخلوي المبرمج أو العرضي إستناداً إلى مقدار محتواها من الطاقة. و هذا ما قد يشرح وجود كلا النوعين من الموت الخلوي في الأنسجة. و إستناداً إلى مقدار ATP في الخلية، فإن ذلكقد يشرح كيفية إختلاف الموت الخلوي مع جرعات مختلفة لنفس المحفِّز الضَّار. على سبيل المثال، فإن الخلايا التي تتعرض إلى تركيزات منخفضة من مركب فوق أكسيد الهيدروجين (H2O2) يحدث فيها تغير طفيف في مقدار ATP، كما خضعت الخلايا في هذه الحالات إلى الموت الخلوي المبرمج. في حين أن الخلايا التي تعرَّضت لتركيزات عالية من مركب فوق أكسيد الهيدروجين بحيث نضبت كمِّية ATP داخل الخلية، فإن الخلايا خضعت للموت الخلوي العرضي. بالرغم من ذلك، فإن الخلايا التي تعرضت إلى الجرعات المُحفِّزة للموت الخلوي العرضي من مركب فوق أكسيد الهيدروجين (أي الجرعات المرتفعة)، و في ذات الوقت تمَّ إمداد الخلية بمركب ATP، من خلال إضافة مركب الجلوتامين، وُجد أن هناك زيادة كبيرة في أعداد الخلايا التي تموت بطريقة الموت المبرمج. و من المدهش أن الخلايا قد تبدأ موتها كموت خلوي مبرمج، إلا أنها قد تتحول إلى الموت الخلوي العرضي إذا لم تتوفر كمية كافية من مركب ATP. و يُطلق على الموت الخلوي العرضي الذي يعقب الإنقطاع في مركب الطاقه ATP في الخلية بالموت الخلوي العرضي الثانوي Secondary Necrosis، حيث من المحتمل أن يبدأ الموت الخلوي كحدث مبرمج، إلا أنَّه يتحول إلى موت خلوي عرضي عند النقطة الحرجة التي تصبح فيها الطاقة الخلوية غير متوفره. إن توقيت إنقطاع الطاقة من الخلية و التحوُّل من الموت الخلوي المبرمج إلى الموت الخلوي العرضي يصبح ذو أهمية، إذ يُحدد النسبة النهائية للخلايا الميِّته عن طريق الموت الخلوي العرضي، و هذا بالتالي يحدد خطورةالإلتهاب و تحطُّم الأنسجة.

البديل للموت الخلوي

عقب الضغوطات الفسيولوجية أو البيئية، تتكمن الخلية من الدخول مسار الشفاء، و هو ما يُطلق عليه إستجابة الصدمة الحرارية، أكثر من دخولها مسار الموت الخلوي المبرمج. إن العوامل المؤثرة في مسار الصدمة الحرارية هي مجموعة من البروتينات، بروتينات الصدمة الحرارية، و هي تمثِّل مجموعة من البروتينات التي يتم تصنيعها بشكل عاجل كإستجابة للضغوط الخلوية. كما أن لهذه البروتينات دور في الحيلولة للجوء الخلية إلى وسيلة الموت الخلوي المبرمج. لبروتينات الصدمة الحراريه هذه العديد من التأثيرات على الخلية بما في ذلك تثبيط سيتوكروم C أو عبر الإخلال بالجسم القاتل (Apoptosome) أو عبر التداخل مع مركب Apaf، و مع إستقدام مركب Procaspase 9، و التأثير المباشر على caspase 3 و Caspase 9 و تثبيط عملية الموت الخلوي المستحثة من خلال TNF. و إن التأثيرات القوية لبروتينات الصدمة الحرارية تسمح للخلية المتأثرة بإسترجاع وظائفها.

التغيرات المظهرية على الخلايا في الموت الخلوي المبرمج

تُظهر الخلايا الخاضعة للموت الخلوي المبرمج تغيرات مميزة و ثابته في مظهر الخلية و يشمل ذلك حدوث إنكماش في الخلية، و إعادة تركيب الغشاء الخلوي، تفكك العضيات الخلوية، تكثُّف للمادة النووية، و تجزُّء لجزيء DNA. و يصبح للخلية القدرة على تجميع أجزائها داخل وحدات يطلق عليها أجسام الموت أو “Apoptotic bodies” و هي عبارة عن حويصلات مرتبطة بالغشاء الخلوي تحتوي على المكونات الخلوية. و على النقيض من ذلك، فإن الخلايا التي تخضع للموت الخلوي العرضي، فإنها تنفجر و تنطلق مكوناتها الداخلية إلى الوسط المحيط. و سوف تقوم الخلايا اللاقمة أو حتى الخلايا المجاورة بالتخلُّص من بقايا الخلايا الميِّته، سواء أكانت آلية الموت قد تمت من خلال الموت المبرمج أو الموت العرضي.

و في حين تمتلك الخلايا الحيَّة إنحدار إلكتروكيميائي خلال الغشاء الخلوي (من خلال مضخة تبادل أيونات الصوديوم/البوتاسيوم)، فإن الخلية الحيَّة يجب أن تحافظ على تعادلها الأسموزي للحيلولة دون حركة جزيئات الماء غير المرغوبة و بالتالي التغير في حجم الخلية. و أثناء الموت الخلوي المبرمج، فإن كمية كبيرة من الصوديوم و البوتاسيوم داخل الخلية سوف تغادر الخلية إلى الخارج، و هذا ما يُعتقد أنه – على الأقل- السبب وراء فقدان الخلية المتأثرة لحجمها بسبب خروج الماء من الخلية. بالرغم من ذلك، فإن منع الجزيئات التي تحمل الشُحَن الموجبة من مغادرة الخلية، و بشكل خاص مع خروج البوتاسيوم، يمكن في الواقع أن يُثبِّط تنشط الكاسبيسات و بالتالي إعاقة الموت الخلوي المُبرمج. و هذا يدل على مدى أهمية حركة الأيونات في تنظيم تسلسل الموت الخلوي المبرمج. إضافة لذلك، فقد شوهد إنكماش الخلية قبل وجود الأحداث الخاصة بالموت الخلوي المبرمج، مثل تنشيط Caspase 3 أو تجزُّء ال DNA. و يبقى السؤال، فيما إذا كان إنكماش الخلية بحد ذاته هو الذي يُحفِّز الموت الخلوي المبرمج أو أن حركة الأيونات من داخل الخلية إلى خارجها هي الخطوة الأهم، و أن عملية الإنكماش الخلوي ما هي إلا مجرد تأثير ثانوي.

و على النقيض من الموت الخلوي المبرمج، فإن الحدث الأكبر في الموت الخلوي العرضي هو إنتفاخ الخلايا. و لأن الموت الخلوي العرضي هو في الغالب الأعم بسبب عدم توفر مركب ATP، فإن الإختلال الأيوني في الخلية يرتبط مع فشل آلية الضخ الأيوني التي تحافظ في العادة على إتزان العبور الأيوني. إن دخول الصوديوم و خروج البوتاسيوم يحدث في كل من الموت الخلوي المبرمج و الموت الخلوي العرضي، إلا إن المحصلة النهائية في الموت الخلوي المبرمج هي بالإجمال فقدان الصوديوم.

في الموت الخلوي العرضي، فإن غياب مركب ATP من الخلية لن يسمح بإستمرار عمل إنزيم NA/k ATPase، و هذ سوف يؤدي إلى تراكم الصوديوم داخل الخلية. و في نهاية المطاف، فإن الصوديوم الآخذ في التدفق إلى داخل الخلية سوف يخلق إنحدار أسموزي يعمل على إنتفاخ شديد في الخلية ومن ثم إنفجارها. و بالرغم من أن تقلص حجم الخلية قد لا يكون مطلباً ضرورياً للموت الخلوي المبرمج، فإن إنتفاج الخلايا هو المظهر المُميِّز للموت الخلوي العرضي، و يؤدِّي ذلك إلى إنطلاق المحتويات الخلوية في الوسط المحيط، و هو ما يحفِّز حدوث الإلتهاب الموضعي و حدوث تضرر للأنسجة المحيطة.

التغيرات التي تطرأ على الغشاء الخلوي في الموت الخلوي المبرمج

لقد تم دراسة التغيرات التي تطرأ على الغشاء الخلوي أثناء عملية الموت الخلوي المبرمج. إن من أهم التغيرات الثابتة التي تطرأ على الغشاء الخلوي أثناء عملية الموت الخلوي المبرمج هو فقدانه لتناسقه و الذي يتم في الغالب من خلال إنزيم Aminophospholipid translocase. تتقلص وظيفة هذا الإنزيم في الموت الخلوي المبرمج مما يسمح بتغير موقع المركب Phosphatidyleserine (PS) من طبقة الدهون الفسفورية الداخلية للغشاء الخلوي إلى الطبقة الخارجية، و من المحتمل أن يكون ذلك من قبل إنزيم Phospholipid scramblase. و تعتبر هذ التغيرات حدث مبكر و فريد في تتابعات الموت الخلوي المبرمج، و تسبق التغيرات التي تطراء على النواة و التغيرات التي تحدث داخل الخلية.

إن تغير موقع المركب (PS) من الداخل إلى خارج الخلية هو حدث في غاية الأهمية لسببين. الأول، يعمل PS كدليل على الغشاء الخلوي يسمح بتعريف الخلية الخاضعة للموت الخلوي المبرمج و التعرف عليها بواسطة مستقبلات على الخلايا اللاقمة. و حيث أنه تم قبول هذا الحدث على أنه مرحلة مبكرة خاصة بالموت الخلوي المبرمج، فإنه قد تم تطوير إختبار للتميز بين هذا الموت الخلوي المبرمج المبكر من تلك الخلايا التي ما تزال فاعلة، و تلك الخلايا التي تضررت أغشيتها الخلوية، مثل تلك الخلايا التي تمر بمرحلة الموت الخلوي المبرمج المتأخر أو الخلايا التي تخضع للموت الخلوي العرضي الإبتدائي. و في هذا الإختبار يتم إستخدام مركب Annexin V و هو بروتين يرتبط بالدهون الفوسفورية و بشكل خاص PS، و كذلك مركب Propidium iodide و هي صبغة إستثنائية ذات قدرة على الإرتشاح إلى الخلايا فقط بعد تضرر غشائها الخلوي.

ومن المدهش أن هذه التغيرات في توزيع الدهون الفوسفورية تتبع مسار مميز، و هي مستقلة عن برنامج الموت الخلوي المبرمج ذاته. إذ يمكن إعاقة هذه التغيرات من خلال مثبطات الميتوكندريا مثل Antimycin A و Oligomycin. و هذا يسمح للخلية بالتقدُّم للموت الخلوي المبرمج مع تنشيط الكاسبيس و حدوث التغيرات داخل النواة، و لكن بدون أ ن ينتقل مركب PS إلى خارج الخلية و من ثم التعرف عليه من قبل الخلايا اللاقمة. و هذا يوضِّح أن عملية إنتقال PS إلى خارج الخلية قد يكون صفة مميزة في الموت الخلوي المبرمج، إلا أنها غير ضرورية لعملية الموت الخلوي المبرمج. بالرغم من ذلك، فإن الموت الخلوي المبرمج بدون إنتقال مركب PS إلى خارج الخلية يمكن أن يخلق تجمعات فريده من الخلايا في الكائن الحي تكون من الناحية النظرية خلايا “غير ميِّته” حيث يكون لها القدرة على تجاوز الخلايا اللاقمة. و على العكس من ذلك، فعند التخلُّص من المُحفّز الذي يعمل على الموت الخلوي المبرمج، فإن الخلايا التي خضعت للموت الخلوي المبرمج، والتي سوف تصطبغ بمركب Annexin V و لكن ليس بمركب Propidium Iodide، كانت قادرة على إستعادة تماثل الغشاء الخلوي و إستعادة نموها. و هذا يؤكِّد أن تغير موقع PS بذاته ليس له تأثير مباشر على حيوية الخلية، بالرغم من كونه إرتباط غالب في عملية الموت الخلوي المبرمج.

و حيث ينتقل مركب PS من الجزء الداخلي للغشاء الخلوي إلى الجزء الخارجي، فإن مركب Sphingomyelin ينتقل من الجزء الخارجي للغشاء الخلوي إلى الجزء الداخلي. و من ثم يتم تحليله داخل الخلية ليكوِّن مركب السيراميد Ceramide. هذا الحدث هام لأنه من المحتمل أن غياب مركب Sphingomyelin من الجزء الخارجي للغشاء الخلوي يؤثر على سيولة الغشاء. و عندما يتم تحليل مركب Sphingomyelin و التخلص منه، فإنه يصبح غير قادر على تكوين إرتباطه المعتاد مع الكوليستيرول للحفاظ على ثباتية الغشاء الخلوي. و يصبح الغشاء الخلوي أكثر ميوعة مما يُسهِّل عملية تكوين البراعم أو الحويصلات و من ثم طرح هذه الحويصلات.

يتميز الموت الخلوي العرضي بإنتفاخ الغشاء الخلوي و تحلله، إلا أن الدراسات الحديثة أظهرت أن تغير موقع PS، الذي أعتبر سابقاً على أنه حدث يقتصر على الموت الخلوي المبرمج، يمكن أيضاً أن يحدث في الخلايا التي تخضع للموت الخلوي العرضي. إن البلعمة الخلوية لبقايا الموت الخلوي العرضي هو حدث يعتمد أيضاً على وجود مركب PS، بالرغم من حدوث ذلك بشكل أساسي عقب حدوث عملية التحلل الخلوي بشكل غامر، على خلاف عملية البلعمة الخلوية في التخلص من الأجسام الخلوية الناتجة عن الموت الخلوي المبرمج.

تجزُّء جزيء DNA

وصفت إحدى الخصائص المبكرة للموت الخلوي المبرمج ظهور DNAعلى هيئة سُلَّم عند فصله بعملية الفصل الكهربائي، و هذا ناتج عن تجزُّء جزيء DNA إلى قطع تبلغ أطوالها من 180-200 زوج من القواعد. إن الحجم الثابت للأجزاء الناتجة عن الموت الخلوي المبرمج تمثل عملية إنقسام عند مواقع مُحدده بين بروتينات الهستون، مكونة ما يُطلق عليه أجزاء “الأجسام النووية Neuclosome”. و لذلك، فإن وجود هذه الأجسام النووية يوضِّح المرحلة النهائية من عملية التحلل الكامل. و يمكن حدوث تجزء DNA بعدد من المسارات، و لكن بالعموم فإن هذه العملية تتم من قبل مجموعة من الإنزيمات يطلق عليها DNAase. و بمجرد تحرك الكروماتين إلى محيط النواة و حدوث تجزء لجزيء DNA، فإن النواة تنهار.

و من المدهش أن عملية تجزُّء النواة في الموت الخلوي العرضي شبيهة لتلك المشاهدة في الموت الخلوي المبرمج، على الأقل في المرحلة المبكرة. و في حين يظهر تجزء DNA الخاص بالموت الخلوي المبرمج في عملية الفصل الكهربي على شكل سُلَّم، فإن DNAالخاص بالموت الخوي العرضي يظهر على شكل لطخة “Smear”، من المحتمل أن يمثل ذلك أجزاء متباينة الأطوال من جزيء DNA. إلا أن في المراحل المبكرة من الموت الخلوي العرضي، فإن تجزء DNA يحدث كذلك على شكل منظَّم لأجزاء من DNA ذات فروقات بسيطة في الطول.

البلعمة الخلوية التي تلي الموت الخلوية

في حين أن السلوب الذي تموت فيه الخلية له مضاعفات، فإن تفاقم الإلتهاب الموضعي أو زواله يتأثر بشكا كبير بوقت حدوث و سرعة عملية التخلُّص من البقايا الخلوية الناتجة عن الموت الخلوي. البلعمة الخلويه هي العملية التي يتم فيها التخلص من البقايا الخلوية أو المخلفات. و تتم هذه العملية من قبل خلايا بلعمية محترفة هي البلاعم الكبيرة Macrophages أو خلايا بلعمية غير ناضجة. (مثل الخلايا الليفية و الخلايا الطلائية و خلايا العضلات الملساء للأوعية الدموية. إن أحد العوامل الهامة في عملية البلعمة الخلوية هو قدرة هذه الخلايا على التفريق بين الخلايا الحيَّة و غيرالحيَّة.

و قد عُرف لفترة طويلة دور مركب PS في قدرته على تعريف الخلايا الميتة للبلاعم الكبير، حيث أظهرت التجارب أنه إذا تم تثبيط مركب PS، فإن الموت الخلوي المبرمج سوف يحدث بمظهره المعتاد، و لكن بدون حدوث عملية البلعمة الخلوية،و ذلك بسبب عدم قدرة الخلايا اللاقمة على التعرُّف على الخلايا الميِّته. و في المقابل، فإذا تم دمج مركب PS تجريبياً إلى الغشاء الخارجي للخلايا الميِّته التي تقوم بتعبير مركب PS، فإنه سوف يتم التعرُّف عليها و التخلُّص منها من قبل الخلايا اللاقمة.

إن التخلُّص من بقايا الموت الخلوي المبرمج في غاية الأهمية. و من منطلق الحفاظ على الإتزان الجهازي للجسم، فإن الموت الخلوي المبرمج هو الصورة المفضَّلة عن الموت الخلوي العرضي، إلا أن بقايا الموت الخلوي المبرمج يمكن أن تكون كذلك ضارة بشكل كبير، و ذلك من خلال تحفيزها للتجلُّط الدموي داخل الأوعية الدموية، أو إنتاج أجزاء تعمل كمحفزات للإلتهاب. و إذا لم يتم تناول الخلايا الميِّته بعد عملية ظهور البلاعم على أسطحها، فإنها تصبح قاسية، و في نهاية المطاف، فإن هذه الخلايا سوف تنفجر مُطلقة محتواها إلى الوسط المحيط و هو ما يُطلق عليه “الموت الخلوي العرضي الثانوي secondary necrosis”

يحدث الموث الخلوي العرضي الثانوي عندما يُصبح مستوى ATP داخل الخلية غير متاح في منتصف عملية الموت الخلوي المبرمج؛ و لكن يمكن مشاهدة هذا النوع من الموت الخلوي المبرمج كذلك تحت ظروف يُسمح فيها لبقايا الموت الخلوي المبرمج بالبقاء. و في الغالب يتم تلافي هذا السيناريو في الكائن الحي من خلال نظام بلعمي عالي الفاعلية. يقوم بصمت بالتخلُّص من الخلايا في مراحل مبكرة جداً من عملية الموت الخلوي المبرمج. و إن فشل هذه الآلية يمكن أن يكون لها مضاعفات بليغة. و على هذا الأساس، فإن التخلُّص المبكِّر و الفاعل للأجسام الناتجة عن الموت الخلوي المبرمج لها فائدة كبيرة للعائل.

إن آلية التخلُّص من الخلايا الخاضعة للموت الخلوي العرضي مفهومة بشكل أقل. بالرغم من ذلك، فإن عملية إبتلاع الخلايا الميِّته عن طريق الموت العرضي يحدث عن طريق إشارة مركب PS. إن عملية البلعمة الخلوية لبقايا الخلايا الميِّته عرضياً يحدث بشكل أبطأ و أقل فاعلية، و كذلك عقب إنفجار الغشاء الخلوي. و من الظاهر أن ذلك يسمح بإنتشار مركب PS إلى البلاعم الكبيرة المجاورة.
و من المدهش، فإن إنطلاق الوسائط الإلتهابية لا تتغير في البلاعم الكبيرة التي تقوم بالتخلُّص من بقايا الموت العرضي عند مقارنتها بالبلاعم الكبيرة التي تقوم بالتخلُّص من بقايا الموت الخلوي المبرمج.

إن الهدف من الموت الخلوي المبرمج هو تسهيل التخلُّص من عملية الإلتهاب، أو على الأقل عدم المساهمة في تفاقمه. و في الحقيقة، فإن وجود بقايا الموت الخلوي المبرمجقد أظهرت قدرتها على خفض إنطلاق السيتوكينات الإلتهابية مثل العامل القاتل للخلايا الورمية (TNF-α) و زيادة إنطلاق العامل المضاد للإلتهاب IL10 من قبل البلاعم الكبيرة النشطة. بالإضافة، فإن إبتلاع الخلايا الميتة بواسطة البلاعم الكبيرة يمكن أن يستحث إنتاج مركَّب TGF-β1 الذي له القدرة على التسريع في عملية زوال الإلتهاب. و لذلك، فإن توقيت و فاعلية عملية التخلُّص من البقايا الخلوية بواسطة الخلايا اللاقمة عامل هام في تحديد فيما إذا كان بالإمكان تحقيق هذا الهدف. فإذا تم التخلُّص من الخلايا الخاضعة للموت الخلوي المبرمج بشكل عاجل و بدون حدوث إعاقة لهذه العملية، فإن هذا العملية طريق آمن للتخلُّص من الخلايا غير المرغوبة. إلا أن التشويش على عملية البلعمة الخلوية و زيادة أعداد الخلايا الميِّته عن طريق الموت الخلوي العرضي هي مضاعفات من شأنها أن تحفِّز حالة إلتهابية و تأخر في عملية شفاء فاعلة.

 

إعداد: أحمد مصطفى كمال البوَّاب

أخصائي طبِّي أول/ باحث طبِّي

le_bawab@yahoo.com

الجهاز المناعي و الحَمْل    

 فيما يتعلق بالحمل، فإن نصف الأنتيجينات الخاصَّة بالجنين و المغروسة في رحم الأم تكون مشتقة من الأب، و بالتأكيد فهي تختلف عن تلك الأنتيجينات الخاصَّة بالأم. و من هذا المنطلق، فإن الأم تحمل في أحشائها جنين غير متطابق مع أنسجتها الذاتية. و بالرغم من هذا التباين النسيجي، إلا أنه لا يتم في الغالب رفض الجنين أو توجيه إستجابة مناعية تجاهه. و في هذا الفصل سوف نستعرض الأسباب و العوامل التي يمكن أن تعزز من عملية إنغراس الجنين في رحم الأم و تعزله عن التعرف النشط من قبل الأليات المناعية التي يمكن أن تضر به و ربما تؤدي إلى طرده خارج الرحم.

 الآليات المناعية التي تُساهم في إنغراس الأجنَّة

يمكن إعتبار الآليات التي تلعب دور في إنغراس و بقاء الجنين و المشيمة في ثلاث مجاميع:

-         الدور الذي يُهيِّئه الرحم

-         الدور الذي تقوم به المشيمة

-         الآليات الخاصة بالأم

 الدور الذي يُهيِّئه الرحم في إنغراس الأجنَّة

بشكل عام، فإن الرحم لا يُعتبر أحد المواقع المعزولة مناعياً داخل الجسم. إذ يتم تغذية الرحم بشكل جدي بالأوعية الدموية، و كما له القدرة على التعرف على الأنسجة الغريبة و رفضها. و في الرحم الطبيعي، تتواجد الخلايا اللمفاوية في عنق الرحم. تحتوي بعض هذه الخلايا اللمفاوية على أجسام مضادة من الصَّف IgA, IgM, IgG. و يزداد أعداد هذه الخلايا اللمفاوية في حالات العدوى الموضعية و كذلك في حالات العقم الأولي (غير معروفة الأسباب). و في حالات الإصابة بفيروس HIV توجد تركيزات عالية من الخلايا اللمفاوية CD4 و البلاعم الكبيرة في سوائل المهبل. يمكن كذلك تحديد الجلوبيولينات المناعية الحرَّة، و بشكل خاص الجلوبيولين IgA و المكوِّن الإفرازي منه (sIgA)، في الجهاز التناسلي خاصة في حالات الأمراض المنقولة عن طريق الجنس. و مما سبق، فإن الرحم هو أحد المواقع المدعَّمة بشكل جيد بالمكونات المناعية. إذ تتألف 75% من بطانة الرحم (Decidua) من خلايا مناعية تمثل البلاعم الكبيرة Macrophages 20% منها و تمثِّل الخلايا اللمفاوية 10% (بشكل أساسي الخلايا T)، في تمثِّل الخلايا اللمفاوية الكبيرة Large granular lymphocyte (LGL) حوالي 45%. هذه الخلايا (LGL) المتواجدة في بطانة الرحم و التي تمتلك الأنتيجين CD56، و لكن ليس الأنتيجين CD16 توجد فقط في الرحم و قد تعمل على السيطرة على آليات الغزو من قبل خلايا التروفوبلاست Trophoblast أثناء الحمل. و إن ملاحظة زيادة أعداد الخلايا NK (CD16, CD56) في أنسجة الرحم الداخلية من مرضى حالات الإجهاض المتكرر يعزز هذه الفرضية. هذه الخلايا اللمفاوية الكبيرة LGL (CD3, CD56, CD16) التي تتواجد في البطانة الطبيعية للرحم هي خلايا حسَّاسة لهرمون البروجيستيرون، و قد تلعب كذلك دور في عملية طرح خلايا بطانة الرحم، بالإضافة لدورها في عملية إنغراس الأجنة.

 دور المشيمة في إنغراس الأجنة

لقد تم دراسة الدور الذي تقوم به المشيمة كحاجز مناعي بشكل مُكثَّف. في البداية، فإن هناك إحتكاك مباشر بين دم الأم و خلايا التروفوبلاست (الخلايا المغتذية)، و بالتالي تتعرض الأم للعديد من الأنتيجينات الخاصة بهذه الخلايا. خلايا التروفوبلاست هذه لا تمتلك مكونات الصفّْ الأول من معقدات التوافق النسيجي الرئيسية MHC. تقوم خلايا التروفوبلاست بغزو و إختراق بطانة الرحم و إستبدال الخلايا الطلائية الداخلية للأوعية الدموية للأم. كما أن بروتينات الصف الأول تكون مختلفة من حيث التركيب (عن HLA A,B,C) و لا تتمكن من إستحثاث إستجابة الخلايا اللمفاوية السَّامة TC. يُطلق على هذه المجموعة من الأنتيجينات HLA G، و هي أنتيجينات مميزة لخلايا التروفوبلاست التي تقوم بغزو أنسجة الأم في بداية إنغراس الجنين. إلا أن علاقة هذه الأنتيجينات في عملية بقاء المشيمة و الجنين مازال غير واضح. و حيث أن تواجد أنتيجينات التوافق النيسيجي HLA G مقصور فقط على خلايا التروفوبلاست التي تقوم بغزو بطانة الرحم، فإنه يُعتقد أنها تحمي التروفوبلاست من البلاعم الكبيرة و الخلايا اللمفاوية الكبيرة LGL التي تُفضِّل القضاء على الخلايا بدون وجود أنتيجينات الصَّف الأوَّل التقليدية. و بالنسبة لأنتيجينات الصَّف الثاني فإنها لا تتواجد على خلايا التروفوبلاست في الإنسان.

 و يُعتقد أن الجهاز المناعي الخاص بالأم يبتعد عن الإستجابة الإلتهابية المعتمدة على الخلايا Th1 أثناء الحمل، هذه الإستجابة قد تضر بالجنين بشكل كبير، و ذلك من خلال إطلاق سيتوكينات الخلايا Th2 (مثل IL4 و IL10) من المشيمة. و لتدعيم تلك الفرضية فقد وجد (في الفئران) أن السيتوكينات الناتجة أثناء العمليات الإلتهابية و المرتبطة مع الخلايا Th1 ضارة بعملية الحمل. إذ وُجد كذلك إرتفاع في تنشيط الجينات الخاصة بكل من TNFα  و INFγ في المشيمة المأخوذة من الفئران الخاضعة للإجهاض. بالرغم من ذلك، فإن حقن IL10 يحول دون موت الأجنة في الفئران. و هذا ما يدل على أهمية الإستجابة من قبل خلايا Th2 و دورها في الإبقاء على الأجنة، بالرغم من عدم التوصل إلى السبب الحقيقي الذي يدعوا لميل الإتزان الخلوي لصالح الخلايا Th2 للإبقاء على حمل ناجح.

  الآليات الخاصة بالأم في إنغراس الجنين

توجَّهت الأنظار في الوقت الراهن إلى عوامل موضعية غير متخصصة للإبقاء على الحمل. فإحباط الإستجابة المناعية المتخصِّصة للأم تجاه أنتيجينات الأب التي يحملها الجنين قد تكون سبب كاف لبقاء الجنين. إلا أن هناك القليل من القرائن لإثبات ذلك. و إن وجود HLA G غير المتخصِّصة و خلايا LGL غير المتخصِّصة أيضاً في بطانة الرحم يقترح قِلَّة تخصُّصيَّة الحماية الموضعية للجنين مقارنة مع عملية نقل الأعضاء التقليدية.

 الحمل و العدوى لدى الأم

إرتبط الحمل لدى الإنسان مع زيادة في معدل العدوى. فالعدوى بالملاريا و التوكسوبلازما أو الميتوبكتريا (السُّل أو الجُذام) أمراض شائعة في البلدان النامية حيث يكون سوء التغذية السبب المباشر لذلك. عدوى النساء الحوامل حدث نادر الدوث في الدول المتقدِّمة، مع وجود بعض الإصابات الميكروبية التي قد تنشأ عن ميكروبات مثل HIV، و التوكسوبلازما و اللستريا. و لذلك تُنصح النساء الحوامل بتجنُّب منتجات الألبان غير المُبسترة، كما يجب على جميع النساء فحص الحالة المناعية لديهن قبل الحمل و ذلك فيما يتعلق بالإصابات الفيروسية الشائعة (خاصة الحصبة الألمانية، و الحصبة، و شلل الأطفال)، و تجنُّب التعرُّض للجدري إن لم يكنَّ متحصنات للمرض.

 إن زيادة مخاطر العدوى بالفيروسات و البكتريا المتطفلة داخل الخلايا يقترح وجود إنخفاض في نشاط الخلايا Th1 ضد الكائنات المُمْرضة  أثناء فترة الحمل. و إذا كانت الدراسات الحديثة التي تقترح أهمية سيتوكينات Th2 في إستمرار الحمل، فإن الإنحراف تجاه إستجابة Th1 يتوافق مع زيادة مخاطر إصابة الأم أثناء الحمل بالميكروبات المتطفِّلة داخل الخلايا.

حماية الأجنة و حديثي الولادة ضد العدوى الميكروبية

تُعتبر الأجنة و الأطفال حديثي الولادة عُرضة للعدوى البكتيرية و الفيروسية من خلال إنتقال  الميكروبات عبر المشيمة و أثناء المرور من قناة الولادة. و إن طبيعة و إمتداد هذه العدوى يعتمد على مدى نضج الجهاز المناعي للجنين وقت حدوث العدوى. و هذا بدوره يعتمد على عمر الجنين في مرحلة الحمل.

 تطوُّر المناعة الخلوية لدى الأجنَّة

تمتلك الأجنَّة أجهزة مناعية فاعلة في مرحلة مبكِّرة من فترة حياتها داخل الأرحام. على سبيل المثال، تُحفِّز الإصابة بفيروس الحصبة الألمانية داخل الرحم إنتاج IgM (الخاص بالجنين) في الأسبوع الحادي عشر من الحمل. بالرغم من ذلك، فإن تطوُّر الخلايا المناعية يكون بطيئاً، و هذا ربما يُعلل قابلية الجنين للعدوى بأنواع معيَّنة من الفيروسات و البكتريا المتطفلة داخل الخلايا. و بالرغم من إمكانية تحديد الخلايا T في مرحلة مبكِّرة من الحياة الجنينية، فإن قدراتها الوظيفية تتطور في وقت لاحق، و تبقى قُدرات المناعة الخلوية منخفضة نسبياً عند الولادة، إلا أنها تزداد في مرحلة مبكرة من الحياة لتصل المستويات لدى الأفراد البالغين خلال الشهرين الأوليين من الحياة.

 عند الولادة، و بالرغم من إرتفاع أعداد الخلايا CD4، و المستوى الطبيعي للإنترليوكين 2 (IL2)، إلا أن مستوى INFγ و السيتوكينات المصنَّعة من قبل الخلايا Th2 تكون منخفضة. كما تكون وظائف الخلايا Tc منخفضة حتى ثلث مستوها لدى الأفراد البالغين. و يبلغ نشاط الخلايا NK مقدار نصف ما لدى الأفراد البالغين. و هذا ما قد يُعلل خطورة أو شدة الإصابات في الأطفال حديثي الولادة عند إصابتهم بفيروس الهربس البسيط Herpes simplex، و فيروس تضخُّم الخلايا (CMV) و بكتريا اللستريا و طُفيل التوكسوبلازما. تتم حماية الأجنة تجاه العدوى البكتيرية من خلال الإنتقال النشط للجلوبيولين المناعي IgG عبر المشيمة. و لحسن الحظ، فإن هناك كذلك وفرة في الخلايا البيضاء المتعادلة و البلاعم الكبيرة في الدورة الدموية خلال عدة أيام فقط من الولادة.

 بكتريا اللستريا Listeria ميكروب إختياري التطفُّل داخل الخلايا؛ يتم القضاء على هذه البكتريا من خلال تعرُّف الخلايا السَّامة CD8 على أنتيجينات اللستريا بالإقتران مع أنتيجينات الصَّفّْ الأول لمعقدات التوافق النسيجي الرئيسية MHC على أسطح الخلايا البلعمية (Histocytes) أو الخلايا الكبدية المُصابة.

 يلعب TNF كذلك دور هام في القضاء على هذه البكتريا، إذ أن غياب مستقبلات TNF على خلايا العائل في نماذج الفئران (عن طريق حجب “Knock out” نشاط الجين) يؤدي إلى حدوث إصابات غامرة. و مع إنخفاض أعداد الخلايا T السامة للخلايا (Tc) و إنتاج سيتوكينات Th1 يُصبح الجنين أكثر قابلية للعدوى.

 قد يحدث إنتقال لفيروس HIV عبر المشيمة، إلا أن إنتقال HIV يحدث بشكل أكثر شيوعاً أثناء مرور الجنين عبر قناة الولادة، أو من خلال حليب الأم. و يعتمد تشخيص حديثي الولادة على تحديد الحمض النووي بإستخدام تقنية PCR (التفاعل التسلسلي متعدد النسائل)، أو بإستخدام تقنية ELISA لتحديد الأنتيجينات الفيروسية. كما يجب كذلك فحص الأم لتحديد إصابتها بفيروس النقص المناعي.

 إنتقال الجلوبيولين المناعي IgG عبر المشيمة

ينتقل IgG من الأم إلى الجنين من خلال وجود مستقبلات متخصصة له على خلايا التروفوبلاست Trophoblast. هذه المستقبلات خاصة بالجزء Fc (أي المنطقة الثابتة) من جزيء IgG. تبدأ عملية إنتقال IgG من الأم إلى الجنين في حوالي الأسبوع الثاني عشر، إلا أن معظم عملية الإنتقال تتم بعد اِلأسبوع الثاني و الثلاثون من حياة الجنين. و لذلك يفتقد الأطفال ناقصي النمو (الأطفال الخُدِّج premature) الأجسام المضادة IgG عند الولادة و يكونون أكثر عُرضة للإصابة بالميكروبات. كذلك يعاني المواليد المصابون بسوء التغذية من إنخفاض مستويات IgG عند الولادة، و ذلك بسبب سوء إنتقال IgG عبر المشية.

 أظهر حقن الجلوبيولينات المناعية عبر الوريد IVIG (0,5 جرام/كيلوجرام/أسبوع) إنخفاض معدل العدوى لدى الأطفال الخُدَّج. إذ يمتلك حديثي الولادة الذين تنخفض أوزانهم بشدة (أقل من 1,5 كليوجرام) معدلات أعلى (أكثر من 20%) لإكتساب الإصابات الميكروبية بسبب الإجرآءات الطبِّيَّة القاسية، مع معدل وفاة قد يصل إلى 5-10%.

 في حديثي الولادة مكتملي النمو، يتساوى مستوى IgG مع نظيره لدى الأم، و ذلك بسبب إنتقال IgG الخاص بالأم إلى الجنين. بالرغم من ذلك، فإن هناك عملية تصنيع نشطة لهذا الجلوبيولين المناعي، و لو بكميات ضئيلة، من قبل حديثي الولادة في هذه المرحلة. و نتيجة لذلك يحدث إنخفاض للجلوبيولين IgG الخاص بالأم  (لدى حديثي الولادة) بسبب عمليات التأييض الهدمي له؛ إذ تتراوح فترة نصف العمر لهذه الجلوبيولين المناعي من 3-4 أسابيع فقط، مما يجعل فترة الثلاث إلى ست شهور الأولى من حياة الطفل فترة إنخفاض نسبي في مستويات الجلوبيولينات المناعية، و هو إنخفاض مناعي فسيولوجي أو بمعنى أخر طبيعي. يترافق ذلك مع زيادة في تعبير CD40 على الخلايا اللمفاوية  T و التي تكون منخفضة أساساً عند الولادة. إضافة لذلك، فإن عدم نضج الخلايا B عند الولادة قد يؤدي إلى إنتاج أجسام مضادة منخفضة الإلفة (أي أجسام مضادة لا ترتبط إلى أنتيجيناتها بشكل قوي و فاعل).

 يعتمد النضج في إنتاج الأجسام المضادة و التحوُّل إلى إنتاج IgG و IgA و كذلك إنتاج أجسام مضادة عالية الإلفة، يعتمد كل ذلك على التفاعل بين CD40L (على الخلايا Th) و الخلايا اللمفاوية B، و تكتمل هذه المنظومة خلال شهرين من العمر عند بدء التمنيع بالأنتيجينات البروتينية. يرتفع مستوى المصل من IgG كي يصل المستويات الطبيعية له خلال العام الثاني من العمر. و في هذا الوقت يتم كذلك إنتاج الأجسام المضادة تجاه الأنتيجينات الكربوهيدراتية. ليس هناك حاجة لتعويض النقص في الجلوبيولينات المناعية في مرحلة النقص الفسيولوجي مالم يعاني الطفل من إصابات ميكروبية خطرة و متكررة، و التي لا يمكن الحيلولة دون حدوثها بإستخدام المضادات الحيوية.

 القيمة المناعية للرضاعة الطبيعية

لسنوات مضت أصبح من الواضح دور الرضاعة الطبيعية في مقاومة العدوى. إذ أن هناك مجموعة واسعة من العوامل في حليب الأم تساعد على إختزال معدل العدوى في حديثي الولادة. الجلوبيولين المناعي الرئيس في حليب اللبأ (أول حليب الأم Colostrum) لدى الإنسان هو IgA الإفرازي (أو sIgA)، و لهذا النوع من الجلوبيولينات المناعية القدرة على مقاومة التأثير المحلل للإنزيمات في الجهاز الهضمي لحديثي الولادة. و يشمل الدور الوقائي الذي يقوم به IgA معادلة الفيروسات و النشاط البكتيري و الحيلولة دون إلتصاق البكتريا إلى الخلايا الطلائية. و لا يوجد دلائل على حدوث إمتصاص كميات كافية من IgA من الجهاز الهضمي كي تهيء حماية جهازية لحديثي الولادة.

تعتبر الخلايا اللاقمة في حليب الأم ذات أهمية في عملية البلعمة الخلوية Phagocytosis و تعادل قدرتها البلعمية قدرات الخلايا اللاقمة المتواجدة في الدم. و هناك ما يدل على وجود نوع من الوقاية من قبل الخلايا اللاقمة في حليب الأم. إذ ينشأ مرض إلتهاب القولون المواتي Necrotizing enterocolitis عن إختراق البكتريا للأمعاء؛ و قد تحدث هذه الحالة المرضية في حديثي الولادة الذين يعانون من ضعف الوسائل الدفاعية الموضعية. إلا أن هذه الحالة المرضية غير شائعة الحدوث نسبياً في المواليد الذين يتناولون حليب الأم.

 تتواجد الخلايا اللمفاوية الفاعلة في حليب الأم، و على الرغم من عدم وجود دليل على تفاعل هذه الخلايا تجاه حديثي الولادة بطريقة مؤذية، فإن الخلايا CD4 سوف تقوم بحمل HIV في الأم المصابة بهذا الفيروس. و قد تم توثيق إنتقال فيروس HIV من الأم إلى حديثي الولادة عبر الخلايا المصابة به. وعلى هذا الأساس فإن رضاعة الأطفال من أمهات مصابات بفيروس HIV غير مُحبَّذة في الدول المتقدمة، بالرغم من عدم ملائمة هذا الإجراء في المناطق التي تعاني من سوء التغذية في العالم. و مع دخول بنوك الحليب الخاصة بالإنسان، فإن معاملة الحليب بالبسترة لحفظ الحليب تعتبر إجراء ضروري. كما إن تجميد حليب الأم سوف يختزل أعداد الخلايا الحية، في حين أن تعقيم الحليب أو بسترته سوف يقضي على بعض الأجسام المضادة و الخلايا، بالرغم من عدم تأثُّر القيمة الغذائية للحليب بهذه المعاملة.

 أمراض الحمل

بعض الأمراض، مثل الإجهاض المتكرر و تسمم الحمل pre-eclampsia هي أمراض خاصة بالحمل ذاته. إلا أن الأمراض غير الخاصة بالحمل يمكن أن تؤثر بشدة على المرأة الحامل و جنينها.

إن حوالي 20% من حالات الحمل يحدث لها إجهاض تلقائي، و يتم فقدان ثلثي الأجنة حتى قبل أن تدرك الأم أنها حامل. و هناك العديد من العوامل المسئولة عن حدوث الإجهاض، تشمل هذه العوامل الإصابات الميكروبية و العيوب الخلقية و الإختلالات في وظائف الغدد و أمراض المناعة الذاتية على سبيل المثال مرض الذئبة الحمراء الجهازي (SLE)، و متلازمة الأجسام المضادة للدهون الفسفورية Antiphospholipid syndrome. و إن حوالي 10% فقط من النساء لديهن أسباب مناعية لحدوث الإجهاض. و إن أهم دور يجب على المختبر القيام به هو إستثناء كل من SLE و الأجسام المضادة للدهون الفسوسفورية.

 إتضح بشكل أكبر – في السنوات الأخيرة- دور الأجسام المضادة (Anticardiolipin و Antiphospholopids) في حالات الإجهاض المتكرر، بالرغم من وجود حالة عدم الوضوح في هذا الجانب. إذ أن العيارية المرتفعة فقط للأجسام المضادة IgG هي التي ترتبط مع حالات الإجهاض المتكرر. و حيث أن 85% من النساء اللواتي يمتلكن هذه الأجسام المضادة يكن لديهن حمل طبيعي، فإن فحص النساء الحوامل تجاه هذا النوع من الأجسام المضادة ليس مجدياً من الناحية الإقتصادية. و بالرغم من هذا، ففي النساء اللواتي يعانين من حالتي إجهاض أو أكثر و تزداد لديهن عيارية IgG هن عُرضة بشكل أكبر لفقدان الأجنة. و لذلك يتم علاج هؤلاء الحوامل بعقار الأسبرين أو جرعات منخفضة من الهيبارين أثناء الحمل. كما يتم إستخدام السترويدات Steroids في الأفراد الذين تأكد إصابتهم بمرض الذئبة الحمراء (SLE).

 نتائج الحمل في حالات الإصابة بمرض الذئبة الحمراء الجهازي SLE))

مرض الذئبة الحمراء الجهازي SLE حدث شائع في النساء في مقتبل العمر اللواتي يرغبن في الإنجاب. و لا تتوافر دلائل على إنخفاض معدل الخصوبة لدى النساء المصابات بهذه الحالة المرضية بالرغم من إزدياد معدل فقدان الأجنة (الإجهاض أو موت الأجنة). كما يبلغ معدل نجاح الحمل في النساء المصابات بمرض الذئبة الحمراء الجهازي حوالي 70% بالرغم من أن 5-10% من النساء اللواتي يمتلكن الأجسام المضادة Ro سوف يولد لهن أطفال مصابون بإنسداد خُلقي في القلب.

 إرتبط فقدان الأجنة بوجود الأجسام المضادة للدهون الفوسفورية و/أو الأجسام المضادة لعوامل التجلط المرتبطة بمرض الذئبة الحمراء Lupus anticoagulant و الأجسام المضادة لعامل التجلط X النشط. و يتم علاج المرضى الذين يمتلكون هذه الأجسام المضادة بجرعات منخفضة من الأسبرين لإختزال عملية تكدُّس الصفائح الدموية. و بالرغم من إستخدام الجلوبيولينات المناعية عن طريق الحقن الوريدي بجرعات مرتفعة في بعض الأحيان لإختزال مستويات الأجسام المضادة الذاتية بشكل وقائي أثناء الحمل في النساء غير المصابات بمرض الذئبة الحمراء، فإن هذا الإجراء قد يضاعف من حدة المرض في النساء المصابات بحالات SLE. و في المرضى اللواتي يتعرضن لمرض الذئبة الحمراء أثناء الحمل تزداد إلى حد كبير نسبة تعرضهن للوفاة مع أجنتهن. كما أن العلاج بالعقاقير في مرحلة مبكرة من الحمل يمكن أن يؤثر على الأجنة. و عليه فمن الضروري تلافي إستخدام عقار Azathioprine، عند ثبوت الحمل.

 الأمراض الروماتزمية الأخرى أثناء الحمل

قد تتمكن النساء غير المصابات بأمراض متعلقة بالحمل من الحمل، و قد يتطلب الحمل لديهن متابعة طبية عن كثب. من جهة أخرى، فإن التغيرات الفسيولوجية التي قد تحدث أثناء الحمل قد تفاقم المرض الإبتدائي بشكل كبير في حالة وجوده. على سبيل المثال، فإن إرتفاع مستويات السترويدات القشرية و الهرمونات الأخرى أثناء الحمل قد يكون لها تأثيرات إيجابية على حالات إلتهاب المفاصل الروماتزمي. بالرغم من ذلك، فإن المرضى المصابون بإلتهاب المفاصل الروماتزمي يعانون في العادة من تفاقم الحالة المرضية بعد الولادة بسبب إنخفاض مستويات السترويدات في الدم. إلا أن بعض الحالات المرضية، مثل التصلب الجهازي Systemic sclerosis قد تشتد وطئتها أثناء الحمل. و قد تتأثر الأجنة بالأجسام المضادة IgG الذاتية التي تتمكن من المرور عبر المشيمة. كما قد تتأثر الأجنة كذلك بالعقاقير العلاجية المستخدمة للتأثير على مسار المرض لدى الأم، كما هو الحال في مرض الذئبة الحمراء SLE. و عليه يجب تلافي إستخدام عقار الأزاثيوبرين المثبط للجهاز المناعي.

 تسمُّم الحمل Preeclampsia

تسمم الحمل حالة مرضية تتميز بإرتفاع في ضغط الدم مترافقاً مع وجود البروتين في البول و إنحباس السوائل في الجسم. و لا يُعرف السبب الحقيقي المسئول عن حالات تسمم الحمل. إن عدم قدرة الخلايا المغتذية (التروفوبلاست Trophoblast) على غزو الأنسجة المحيطة و إختلال الشعيرات الدموية اللولبية يؤدي إلى نقص وصول الأكسجين إلى المشيمة مما يتسبب في إرتفاع ضغط دم الأم و فشل الوظائف البولية و إنعدام تروية الجنين بالكميات اللازمة من الأكسجين. تقترح الدراسات أن زيادة إنتاج الأم و/أو المشيمة لمركبات الإنترليوكين (IL2) و TNF (أحد سيتوكينات Th1) يتسبب في تضرر الأوعية الدموية للمشيمة.

 بشكل أكثر شيوعاً فإن تسمم الحمل يحدث لدى النساء الحوامل للمرة الأولى. فالنساء اللواتي تحسسن للأنتيجينات (بما فيها أنتيجينات HLA) خلال حملهن المتكرر يمتلكن معدلات أقل لحدوث تسمم الحمل، و هذا يقترح أهمية التعرض للأنتيجينات قبل الحمل، و الذي من شأنه أن يُحفِّز إستجابة الخلايا Th2، و قد يكون لذلك دور وقائي تجاه تسمم الحمل.

 التحسس للأنتيجينات الجنينية (Alloimmunizatio)

يمكن حدوث التحسس الأنتيجيني للنساء عند مرور كريات الدم الحمراء الخاصة بالجنين إلى الدورة الدموية للأم عند الولادة أو عند حدوث إصابة في الرحم. و يعتمد إنتاج الأجسام المضادة المتكونة على أعداد كريات الدم الحمراء التي عبرت المشيمة، و بالإمكان تحديد كريات الدم الحمراء التي تحتوي على الهيموجلوبين الخاص بالجنين. و بالتأكيد سوف يتم بالتالي إنتاج كميات أكبر من IgG الخاصة بالأم في حال حمل الجنين أنتيجينات غير متواجدة على الخلايا الحمراء للأم. هذه الأجسام المضادة المتكونة لدى الأم سوف تعبر من ثم إلى الدورة الدموية للجنين حيث تتفاعل مع كريات الدم الحمراء للجنين و تعمل على تسهيل عملية بلعمتها و تدميرها من قبل البلاعم الكبيرة في الطحال و الكبد لدى الجنين.

 إن أكثر الأسباب شيوعاً خلف أمراض الإنحلال الدموي لدى الأجنة Hemolytic disease of the new born (HDN) هو عدم تطابق أنتيجين R (Rhesus) بين الأم و جنينها. و إن التنميط الروتيني للدم لكل من الأمهات الحوامل و أزواجهن يمكِّن من تحديد الأمهات اللواتي يفتقدن أنتيجين Rh و اللواتي قد يكنَّ عُرضة لتكوين أجسام مضادة للأجنة. إلا أنه يمكن الحيلولة دون حدوث الإنحلال الدموي لدى الأجنة من خلال حقن الأمهات بالأجسام المضادة للأنتيجين D مباشرة بعد الولادة للحمل الأول و في فترة زمنية لا تتعدى 72 ساعة من عملية الولادة. تقوم هذه الأجسام المضادة المحقونة (Anti D) بالقضاء على أي كرية دم حمراء خاصة بالجنين موجبة للأنتيجين D، و تحول دون تحسس الأم لهذا الأنتيجين.

 و بالرغم من هذا العلاج، إلا أنه لم يتم إستئصال حالات التحلل الدموي الناشئة عن عامل ريسس؛ و من المحتمل أن يكون ذلك بسبب التحسس أثناء عملية الحمل (أكثر من كونه تحسس ناشيء عند الولادة). و لهذا السبب فمن المستحسن حالياً حقن الأجسام المضادة للأنتيجين D لجميع الأمهات المعرضات لمخاطر التحسس لهذا الأنتيجين أثناء الحمل.

 و قد تنشأ أمراض التحلل الدموي لدى حديثي الولادة كذلك بسبب عدم تطابق أنتيجينات مجاميع الدم الرئيسية ABO، إلا أنه من النادر أن تكون هذه الحالات من الخطورة لدرجة تستدعي عملية نقل دم تبديلي عند الولادة. و من المحتمل أن يعود ذلك إلى أن أنتيجينات ABO أقل تطوراً في الأجنة عن أنتيجينات Rh.

 و بشكل شائع تتواجد الأجسام المضادة الخاصة بالأم و الموجَّهة تجاه أنتيجينات التوافق النسيجي HLA الخاصة بالجنين، تكون الإستجابة تجاه هذه الأنتيجينات ضعيفة خلال الحمل الأول، إلا أنها تصبح أقوى مع تكرار الحمل. و لا يوجد دلائل على أن هذه الأجسام المضادة، التي هي من الصف IgG، و لذلك فهي تمتلك القدرة على عبور المشيمة، لا يوجد ما يدل على أنها ضارة للأجنة.

 الأمصال المأخوذة من الأمهات عقب الولادة و الغنية بهذه الأجسام المضادة لأنتيجينات التوافق النسيجي، مازالت تستخدم ككواشف للتنميط النسيجي لأنتيجينات الصف الأول HLA.

 إن تحسس الأم تجاه الصفائح الدموية لأجنتها قد يستحث الأم لإنتاج أجسام مضادة متخصصة تجاه الصفائح الدموية. و إن إنتقال هذه الأجسام المضادة عبر المشيمة قد يؤدي إلى أحداث مرضية ناتجة عن إنخفاض تعداد الصفائح الدموية بسبب تحطمها بواسطة الأجسام المضادة، إلا أن هذه الحالات أقل شيوعاً عما مضى (1000:1 حالة ولادة).

 يشيع الأنتيجين الذي تتوجه إليه الأجسام المضادة (HPA-la) في عامة الأفراد، و بالتالي، فإن الغالبية العظمى من الأمهات حاملات لهذا الأنتيجين و لا يُنتجن أجساماً مضادة له.

 إلا أنه من الضروري التفريق بين هذه الحالة و الحالة المرضي التي تُعرف بالنزف الدموي الناشيء عن الإنخفاض الإبتدائي للصفائح الدموية أو Idiopathic thrombocytopenic purpura (ITP) و الذي تمتلك فيه الأم أجساماً مضادة تجاه الصفائح الدموية الخاصة بها. تتمكن هذه الأجسام المضادة أيضا من عبور المشيمة و تستحث إنخفاض الصفائح الدموية في 50% من الأطفال حديثي الولادة. و إن فحص الصفائح الدموية الخاصة بالأم و الطفل سوف توضح فيما إذا كان تواجد الأجسام المضادة على الصفائح الدموية لكل من الأم و الوليد (بسبب حالة ITP) أو أن الأجسام المضادة متواجدة فقط على الصفائح الدموية للوليد (بسبب تحسُّس الأم لأنتيجيناته على الصفائح الدموية). و بآلية مشابه يحدث أن تعمل الأجسام المضادة لكريات الدم البيضاء على إنخفاض أعدادها لدى حديثي الولادة، إلا أن هذا الحدث نادر كذلك.

 أمراض المناعة الذاتية الجهازية أثناء الحمل

يمكن أن تتأثر الأم و جنينها بالأمراض المناعي الذاتية الجهازية أثناء الحمل. و هذا قد يتطلب إستشارة متخصصة من لدن أخصائي الأمراض النسائية؛ ذلك لصعوبة التفريق بين المظاهر العامة للحمل الطبيعي و أعراض إضطرابات الغدد الصمَّاء. فقد يتفاقم فقر الدم الإنحلالي أثناء الحمل، و من المحتمل حدوث ذلك بسبب إرتفاع مستوى الهرمونات لدى المرأة الحامل.

و في الجهة المقابلة، قد يتأثر الجنين بالحالة المرضية للأم، و هذا يحدث بطريقتين. فقد تعمل أمراض المناعة الذاتية المرتبطة بالأجسام المضادة الذاتية (IgG) على الإضرار بالجنين، و ذلك إذا تمكنت هذه الأجسام المضادة من عبور المشيمة. و هذا ممكن الحدوث في الأطفال المواليد لأمهات مصابات بمرض Myasthenia gravis على سبيل المثال. ثانيا قد يتأثر الجنين بمضاعفات الحمل مثل إنخفاض نسبة الأكسجين في الدم.

 

كيف تعمل الجينات

 

لقد أدرك الإنسان لسنوات عدة مضت أن الكائنات الحية تكتسب صفاتها الوراثية من الأباء. قادت هذه المشاهدات البسيطة إلى تهجين و إنتاج حيوانات و نباتات ذات خصائص مرغوبة. و بالرغم من أن إدراك طبيعة هذه العمليات إستغرق بعض الوقت، إلا أن الباحثين لم يدركوا على وجه الدِّقة كيفية عبور هذه الصفات الوراثية إلى الأجيال التالية حتى منتصف القرن العشرين.

و بدى جلياً الآن أن الجينات هي من يقوم بحمل صفاتنا الوراثية عبر الأجيال، و أن هذه الجينات تتكون من الحمض النووي DNA. إلا أن الجينات ذاتها لا تقوم بالعمل الفعلي، بل إنها تقوم بدور كتاب يُشفر للتعليمات لتكوين جزيئات وظيفية مثل RNA و البروتينات التي تقوم فعلياً بالتفاعلات الكيميائية في أجسامنا. فالبروتينات لديها العديد من الوظائف كي تقوم بها. فهي تزوِّد المواد الأساسية لبناء الجسم، إلا أن البروتينات غير قادرة بذاتهاعلى عمل نسخ ذاتية منها. و عندما تحتاج الخلية إلى المزيد من هذه البروتينات، فإنها تستخدم تعليمات البناء المشفر لها على جزيء DNA. إن الشيفرة الوراثية و تتابعها على الجينات يعطي بشكل أكيد الترتيب الذي يجب أن تكون فيه الوحدات البنائية للبروتينات أو الأحماض الأمينية.

تتكون الشفرة الوراثية في جميع الكائنات الحية، بما فيها الفيروسات (بإعتبار أنها كائنات قادرة على التضاعف) من أربع وحدات بنائية فقط يُطلق عليها قواعد نيتروجينية هي الأدينين A، السيتوسين C، الجوانين G و الثايمين T.

و في بعض الأحوال يحدث أن يكون هناك أخطاء طباعية في تتابع هذه الوحدات في جزيء DNA مما يتسبب في نشوء ما يُعرف بالطفرات Mutation.

يمكن أن تتسبب الطفرات في التشفير لبروتينات لا تعمل بالشكل الصحيح، أو لا تعمل على الإطلاق. إلا أن ليس جميع التغيرات التي تطرأ على المادة الوراثية ضارة. فبعض الطفرات ليس لها تأثير على الإطلاق على الكائن الحي، في حين تنتج مجموعة من الطفرات نسخة جديدة من البروتين ربما تعطي ميزة تفاضلية لحياة الكائن الحي الذي يمتلكها. و عبر الأزمنة، أعتبرت الطفرات المزوِّد للعناصر الأساسية التي تتطور من خلالها الصور الجديدة للحياة.

DNA رائع

حتى عام 1950 عرف العلماء مقدار جيد من المعلومات المتعلقة بالوراثة، إلا أنهم لم يتمكنوا من معرفة ما هية المادة الوراثية (DNA). و لكي يتمكنوا من تعلم المزيد حول طبيعة DNA و تركيبه قام بعض العلماء بإجراء عدد من التجارب بإستخدام الأشعة السينيَّة (X ray) لتصوير جزيء DNA. كانت العالمة روزاليند فرانكلين Rosalind franklin، تعمل في مجال الكيمياء الفيزيائية مع موريك ويلكينس Mauric wilkins في الكلِّية الملكية في لندن، من بين العلماء الأوائل الذين إستخدموا هذه الطريقة لتحليل المادة الوراثية. أدت تلك الأبحاث إلى إنتاج ما أطلق عليه في ذلك الوقت “أجمل صورة بالأشعة السينيَّة لأي مادة على الإطلاق تم تصويرها”.

علماء آخرون، بما فيهم عالم الحيوان جيمس واتسون و الفيزيائي فرانسيك كريك، و كلاهما يعملان في جامعة كامبردج في المملكة المتحدة، كانا يحاولان في ذلك الوقت أيضاً تحديد شكل ال DNA. و في خاتمة المطاف، فإن هذا المسار من الأبحاث أدَّى إلى إزاحة الستار عن أعظم الإكتشافات العلمية في القرن العشرين، و هو وجود DNA على هيئة حلزون مزدوج الجديلة.

أدى هذا الإكتشاف الرائع إلى منح جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب عام 1962 إلى كل من واتسون و كريك و ويلكينس على هذا العمل. و بالرغم من عدم حصول العالمة فرانكلين على نصيب من هذه الجائزة بسبب وفاتها المفاجئة عن عمر 38 عام، إلا أنه عُرف عنها بشكل كبير مشاركتها الفاعلة في هذا الإكتشاف.

لقد أدَّى إكتشاف تركيب ال DNA إلى إثراء معرفة العلماء بماهيَّة علم الوراثة، و كيف أن كلاً من جديلتي DNA تكمل إحداهما الأخرى، كما أدى ذلك في نهاية المطاف إلى إزاحة الستار عن سر كيفية تخزين المعلومات الوراثية داخل الخلية و كيفية نقلها أو نسخها.

و في علم الوراثة، فإن كلمة مُكمِّل تعني أنه إذا كان بإمكاننا معرفة تتابع الوحدات البنائية للنيوكليوتيدات على إحدى الجدائل، فإنه بالإمكان معرفة التسلسل للنيوكليوتيدات على الجديلة الأخرى، إذ تتطابق A دائماً مع T في حين ترتبط C مع G.

تمثِّل مجموعة في تسلسل محددة من هذه القواعد النيتروجينية ما يُطلق عليه الجينات، و يتم تعبئة هذه الجينات بصورة محكمة معاً لتكوين الأجسام الصبغية أو الكروموسومات.

إن كل خلية من خلايا أجسامنا، بإستثناء البويضات و الحيوانات المنوية و كريات الدم الحمراء الناضجة، تحتوي على مجموعة كاملة من الكروموسومات في أنويتها. إذا تم فرد هذه الكروموسومات من أحد الخلايا و تم وضعها طرفاً لطرف، سوف يبلغ طول DNA في هذه الكروموسومات  ستة أقدام.

من المذهل معرفة أن أجسامنا تتكون من تريليونات من الخلايا. إلا أن ما يدعوا إلى الدهشة حقاً هو أن جميع هذه الخلايا تبدأ من خلية واحدة. لكن كيف يحدث هذا التمدد الهائل؟

مع تقدم نمو الجنين، يجب على الخلايا أن تتضاعف؛ لكن قبل أن تنقسم الخلية إلى خليتين جديدتين، متطابقتين تقريباً، فإن على الخلية أن تقوم بنسخ جزيء DNA كي يكون هناك مجموعة مكتملة من الجينات قادرة على المرور إلى الخلايا الجديدة. و لكي يتم عمل هذه النسخة الجديدة من DNA، فإن الحلزون المزدوج المضغوط و الملفوف حول نفسه من الDNA يجب أن ينفصل إلى شريطين كل منهما يعمل كقالب لعمل شريط جديد. و عليه، فإن كلا الشريطين الجديدين يمتلكان شريطاً جديداً و آخر قديم. و يقوم بعملية بناء سلاسل DNA الجديدة المطابقة للشريط القديم من DNA إنزيم يطلق عليه DNA polymerase. و يطلق على هذه العملية “التضاعف Replication” التي تدهشنا سرعتها و دقتها في ذات الوقت، بالرغم من وقوع بعض الأخطاء فيها مثل فقدان بعض أجزاء من جزيء DNA أو تكرارها. و لحسن الحظ، فإن هناك نظاماً خلوياً فاعلاً يقوم بفحص هذه الأخطاء في عملية تضاعف ال DNA و تصحيصها في ذات الوقت.

إلا أن الأخطاء التي لا يتم تصحيحها أثناء عملية تضاعف ال DNA يمكن أن تؤدي إلى ظهور أمراض مثل السرطان و أمراض وراثية معينة كأمراض الشيخوخة المبكرة على سبيل المثال.

إن عملية تضرر جزيء ال DNA لا تحدث فقط خلال عملية تضاعفه، فالتعرض الطويل المباشر لأشعة الشمس يمكن أن يسبب تغيرات في جزيء DNA قد تفضي إلى حدوث سرطان الجلد، كما أن دخان السجائر يمكن أن يتسبب في ظهور سرطان الرئة.

و من هنا فقد يبدوا مدعاة للسخرية القول بأن العديد من العقاقير السَّامة المستخدمة للقضاء على الأورام السرطانية تعمل من خلال مهاجمتها للحمض النووي DNA. ذلك أن هذه العقاقير تؤدي إلى الإخلال بعمليات نسخ جزيء DNA التي تكون أسرع بكثير منها في الخلايا سريعة الإنقسام عنها في الخلايا الأخرى في الجسم. و تكمن المشكلة في أن معظم هذه العقاقير تؤثر سلباً على الخلايا الطبيعية التي تنمو و تنقسم بشكل متكرر، مثل خلايا الجهاز المناعي و بصيلات الشعر. و إن فهم عملية تضاعف DNA بشكل أفضل قد يكون المفتاح لتحجيم دور هذه العقاقير السَّامة على الخلايا السرطانية فحسب.

بعد عملية نسج جزيء DNA، فإن التحدي التالي الذي يواجه الخلية هو الحصول على الكميَّة الصحيحة من المادة الوراثية لكل خلية بنوية.

إن معظم خلايا الجسم ثنائية العدد من الكروموسومات (Diploid)، ذلك لأنها تحتوي على مجموعتين من الكروموسومات (23 زوج). بخلاف البويضات و الحيوانات المنوية أحادية العدد من الكروموسومات، أي 23 كروموسوم فقط. و لهذا، فإن عملية الإخصاب تؤدي إلى إعادة العدد الزوجي للكروموسومات مرة أخرى عند إتحاد البويضة ذات العدد الأحادي من الكروموسومات مع الحيوان المنوي الذي يحتوي نفس العدد الأحادي أيضاً، و بذلك تتكون اللاقحة Zygote التي تحتوي على العدد الكلي للكروموسومات (46 كروموسوم).

تُعطى الكروموسومات أرقاماً من 1-22 و ذلك بحسب أطوالها، حيث كروموسوم رقم 1 الأطول. و يُعرف الزوج 23 بالكروموسوم الجنسي، و يمثل كل من كروموسوم X و كروموسوم Y. و في الإنسان، فإن معظم الإختلالات في أعداد الكروموسومات تحدث في الغالب أثناء الإنقسام الإختزالي، أي في الوقت الذي تختزل فيه الخلية أعداد كروموسوماتها من العدد الثنائي إلى العدد الأحادي لتكوين البويضة أو الحيوان المنوي.

إذاً… ماذا يحدث إذا حصلت البويضة أو الحيوان المنوي على العدد الخاطيء من الكروموسومات؟؟… و كيف يحدث ذلك في الغالب؟؟

تقول عالمة البيولوجيا الجزيئية أنجليكا أمون من معهد MIT في كامبردج إن الأخطاء في إنقسام ال DNA بين الخلايا البنوية خلال عملية الإنقسام الإختزالي هي السبب الرئيس للعيوب الخلقية لدى الإنسان و حالات فقد الأجنَّة. تقدِّر الإحصاآت الحالية أن حوالي 10% من جميع الأجنة يمتلكون أعداداً غير صحيحة من الكروموسومات. معظم هذه الأجنة لا تصل مرحلة إكتمال النمو و يتم فقدانها.

و بالنسبة للنساء، فإن الصورة المحتملة هي عدم حدوث توزيع صحيح للكروموسومات مع التقدم في السن. إذ أن واحد في كل 18 طفل مولود لإمراءة تجاوزت الخامسة و الأربعين من العمر يمتلكون ثلاث نسخ من كرومسوم 13، 18 أو 21 عوضاً عن العدد الطبيعي و هو كروموسومين؛ و يؤدي عدم الإتزان في أعداد الكروموسومات إلى حدوث مشاكل خُلقية. على سبيل المثال، يؤدي وجود ثلاث نسخ من كروموسوم رقم 21 إلى متلازمة دون Down syndrome.

و لجعل دراستها أسهل، فإن العالمة أمون، كالعديد من العلماء في مجال العلوم الحيوية، قامت بدراسة خلايا الخميرة، و التي تنفصل كروموسوماتها تماماً بنفس الطريقة التي تنقسم بها لدى الإنسان، فيما عدا أن عملية الإنقسام هذه تحدث في الخميرة بشكل أسرع. إذ تنسخ خلية الخميرة ال DNA الخاص بها و تنتج الخلايا البنوية في حوالي نصف ساعة فقط مقارنة بخلية الإنسان التي تحتاج إلى يوم كامل للقيام بعملية الإنقسام. إن خلايا الخميرة التي إستخدمتها العالمة أمون هي نفس الخلايا التي نستخدمها في صنع المعجنات و صناعة البيرة.

لقد أنجزت أمون عالمة البيولوجيا الجزيئية تقدماً ملموساً في فهم تفاصيل الإنقسام الإختزالي؛ فقد أظهرت أبحاثها في الخلايا الطبيعية كيف تطلق معقدات البروتينات شبه الغروية، التي تُسمَّى Cohesins، أزواج الكروموسومات في الوقت المحدد تماماً. و هذا يسمح للكروموسومات بالإنفصال بالشكل الصحيح. لهذه النتائج دور هام في فهم و علاج حالات العقم و العيوب الخلقية و أمراض السرطان.

إذاً، فقد وصفنا المادة الوراثية (DNA) وخصائصها الأساسية، و كيف تقوم أجسامنا بصنع المزيد منها. لكن كيف يعمل الحمض النووي كلغة للحياة؟ … و كيف يمكننا الحصول على البروتينات من الجينات؟.

هناك مرحلتين أساسيتين في إنتاج البروتين الخلوي. يُطلق على المرحلة الأولى “النسخ “Transcription، و فيها يتم نسخ المعلومات المشفرة على جزيء DNA و تحويلها إلى جزيء RNA. أما في المرحلة الثانية فيتم تحويل شيفرة ال RNA إلى جزيئات بروتين. و يطلق على هذه العملية بالترجمة Translation”. و بالعودة إلى المرحلة الأولى أو عملية النسخ، فإن جزيء ال RNA المنسوخ عن جزيء DNA يعتبر مكملاً له، أي مكمِّل لجزيء ال DNA. إذ تتطابق القاعدة النيتروجينية C (السيتوسين) المتواجدة على جزيء DNA مع جزيئة G (الجوانين) على ال DNA.

الإختلاف الوحيد هو أن جزيء ال RNA يمتلك قاعدة اليوراسيل (U) بدلاً من القاعدة النيتروجينية T (الثيامين) التي تتحد مع القاعدة (A) أدينين المتواجدة في جزيء DNA. يقوم إنزيم RNA polymerase بقراءة جزيء DNA المرسال أو Messenger RNA (mRNA) ذلك لأنه يقوم بتوصيل الرسالة التي يحملها الجين إلى آلية إنتاج البروتينات.

و عند هذا الحد قد تصيبنا الدهشة… إذاً لماذا لا تبدوا جميع الخلايا في جسم الإنسان متشابهة، إذا كانت جميعها تحتوي نفس المادة الوراثية؟؟ ما الذي يجعل خلايا الكبد مختلفة عن خلايا الدماغ؟ كيف تمكن خلايا القلب هذا العضو من الإنقباض، في حين تقوم خلايا الجلد بإفراز العرق؟

تبدوا الخلايا في جسم الإنسان مختلفة و تقوم بوظائف مختلفة كُلِّية عن بعضها البعض لأن كل خلية تحتوي مجموعة نشطة و أخرى خاملة من الجينات. فقط الجينات المطلوبة لأداء وظائف خلوية مُعيَّنة هي التي تكون في وضعية نشطة. و هذا يعود إلى إن إنزيم RNA polymerase لا يعمل بمفرده، لكنه يقوم بوظائفه بمساعدة العديد من البروتينات المؤازره. و في حين أن إنزيم RNA polymerase هو نفسه في جميع خلايا الجسم، فإن العوامل الموجِّهة لنشاطه تختلف من خلية لأخرى.

و في حين يبدوا لنا أن هذه الأساسيات واضحة بشكل جليِّ، فإن علماء الأحياء عكفوا على دراسة نسخ الجينات بواسطة إنزيم RNA polymerase منذ بداية إكتشاف البروتينات عام 1960، إلا أن العديد من التفاصيل لم تزل غامضة. و إن العقبة الكؤود أمام معرفة المزيد كانت بسبب عدم إمتلاك الأدوات اللازمة لذلك. و حتى وقت ليس بالبعيد، لم يكن الباحثون قادرين على الحصول على صورة على المستوى الذَّري لبروتين RNA polymerase العملاق لفهم كيفية قدرة هذه الآلة المدهشة معقدة الأجزاء على القيام بوظائفها، و أدائها على أتم وجه.

إلا أن فهمنا بدأ يتحسن بشكل أسرع، و يعود الفضل في ذلك إلى إمتلاك الوسائل و الأدوات و التقنيات الحديثة. فلدينا الآن صور الأشعة السينية و التي أعطت صوراً أكثر وضوحاً من تلك التي أستخدمت في الكشف عن جزيء DNA في الخمسينات من القرن الماضي.

إستخدم العالم Roger Kornberg من جامعة ستانفورد في كاليفورنيا هذه التقنيات لتحديد تراكيب إنزيم DNA polymerase. و قد أدَّى هذا العمل إلى إلى حصوله على جائزة نوبل في الكيمياء عام 2006. إضافة لذلك، إستخدم الباحث Steven block من جامعة ستانفورد كذلك تقنية فيزيائية تُعرف بإسم “التصيُّد البصري Optical trapping” لتتبع مسار RNA polymerase أثناء تقدمه على جزيء DNA. أنجز “بلوك” و فريقه هذا العمل عبر تصميم مجهر متخصص ذو حساسية كافية لمشاهدة الحركة الحيَّة لجزيء واحد من إنزيم البوليميريز أثناء سيره على أحد الجينات على الكروموسوم.

لقد إكتشف العلماء تصرُّف إنزيم RNA polymerase كما لو كان عناكب تعمل بالبطاريات تقوم بالزحف على طول جديلة DNA، مع قيامها بإضافة النيوكليوتيدات واحدة تلو الأخرى إلى جزيء RNA الآخذ في النمو؛ و يمكننا القول أن الإنزيم يعمل كمحرك مكتسباً قوته من الطاقة المنبعثة خلال عملية التصنيع الكيميائي لجزيء RNA.

و في الحقيقة، فإن هناك أنواع عدة من جزيئات RNA التي تلعب دوراً أساسياً في تصنيع البروتينات. إذ تقوم النسخة عن الجين ( أي جزيء mRNA) بنقل المعلومات من جزيء DNA المتواجدة في النواة إلى وحدات الرايبوسومات التي تقوم بتصنيع البروتينات. و يمثِّل جزيء RNA في الرايبوسومات حوالي 60% منه. و أخيراً يقوم جزيء RNA الناقل أو (tRNA) بحمل الأحماض الأمينية إلى الرايبوسومات. و كما نشاهد، فإن الأنواع الثلاثة جميعاً من جزيئات RNA تجتمع معاً لإنتاج جزيئات جديدة من البروتينات.

إلا أن الرحلة من الجين إلى البروتينات ليست بهذه السهولة كما بدت سابقاً. فعقب عملية النسخ، فإن هناك العديد  من الأمور التي يجب أن تحدث لجزيء RNA قبل قيامه بتصنيع جزيء البروتين. على سبيل المثال، فإن المادة الوراثية لدى الإنسان و الكائنات الأخرى حقيقية الأنوية (أي الكائنات التي تمتلك أنوية). تحتوي على جزيئات من DNA لا تشفر لأي بروتين. بعض من DNA هذا يتواجد بين الجينات التي تقوم بإنتاج البروتينات.

أطلق العلماء على تتابع DNA الذي يُشفر للبروتينات إسم الإكسونات Exons، و تلك القطع التي تتوسطها و لا تقوم بإنتاج البروتينات إسم الإنترونات Introns.

و إذا كان على إنزيم RNA polymerase أن يقوم بنسخ جزيء RNA من بداية الجين المحتوي على الإنترونات إلى النهاية، فإن جزيء RNA سوف يكوِّن نسخة مطابقة للإنترونات و الإكسونات معاً.

و للحصول على جزيء mRNA الذي يمكن منه الحصول على جزيء منتج للبروتين، فإن على الخلية  في البداية أن تقوم بالتخلُّص من أجزاء الإنترونات، و من ثم إعادة توصيل قطع الإكسونات معاً. يُطلق على هذه العملية مصطلح “RNA splicing” أي قصّْ و لصق جزيء ال RNA.

و ليس من الغريب أن نقول أن عملية القَّص و اللصق هذه لجزيء mRNA يجب أن تكون في غاية الدِّقة. إذ أن حدوث أي خطأ في هذه العملية، و لو كان في حدود قاعدة نيتروجينية أو نيوكليوتيدة واحدة، سواء بالإضافة أو بالحذف، يمكن أن يؤدي إلى إخراج التتابع الخاص بالجين عن مساره الصحيح؛ و تكون نتيجة ذلك إنتاج بروتين غير طبيعي، أو عدم إنتاج جزيء بروتين على الإطلاق. إن أحد الأمثلة التي توضِّح هذا النوع من الأخطاء في عملية قص و لصق جزيء mRNA يمثِّلها  مرض ألزايمر Alzheimer`s disease.

أرادت عالمة الأحياء البيولوجية Christine cathrie من جامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو، أن تفهم المزيد عن آلية إزالة الإنترونات من جزيء RNA و كيفية حدوث هذه العملية بهذا المستوى العالي من الدِّقة.  و لإجراء تجاربها قامت بإستخدام خلايا الخميرة. و كما هو الحال بالنسبة لجزيء DNA في الإنسان، فإن جزيء DNA في الخميرة يحتوي على إنترونات، إلا أنها أقل في العدد و أبسط في التركيب؛ و هذا ما يجعل دراستها أسهل. و من خلال هذه التجارب تمكنت العالمة كريستين من التعرُّف على الجينات التي تتطلب عملية القص و اللصق من خلال دراسة خلايا خميرة لديها إختلالات في عملية قص و لصق الجينات.

لكن السؤال هو … لماذا تظهر هذه القطع من الإنترونات التي تتخلل جزيء DNA إذا كان لا بدَّ من التخلُّص منها؟؟ فبدون هذه المناطق أو الإنترونات فليس هناك حاجة للخلية أن تقوم بعملية القص و اللصق و متابعة مدى دقة هذه العملية.

إلا أنه يمكننا القول، أنَّه من خلال عملية القصّْ و اللصق التبادلي لهذه الإنترونات، فإن الجين الواحد يمكن أن يكون مسؤلاً عن إنتاج مجموعة مختلفة من البروتينات في كل مرة تتم فيها عملية القطع و اللصق بصورة مختلفة على نفس الجين.

إن عملية القطع و اللصق للجينات هي السبب وراء إنتاج مئات الآلوف من البروتينات سهلأسهلأاالمختلفة في خلايا الإنسان بالرغم من وجود حوالي 20,000 جين لدى الإنسان.

حتى وقت قريب نظر الباحثون إلى الجينات و البروتينات التي تشفر لها كل على حده. و في الوقت الحاضر، فإن هناك قدرة على النظر إلى الأعداد الكبيرة من الجينات و البروتينات و كيفية عملها و كذلك كيفية تفاعلها معاً. و هذا يُعطي صورة أفضل بكثير عما يحدث داخل الكائن الحي.

لقد تمكن العلماء من التعرُّف على جميع الجينات التي يتم نسخها في الخلية أو العضو، القلب على سبيل المثال. و على الرغم من عدم قدرة العلماء في الوقت الراهن إخبارنا بما يجري داخل كل خلية من خلايا أجسامنا في وقت ما إلا أنهم قادرون على عمل ذلك مع خلية أحادية مثل خلية الخميرة.

و بإستخدام تقنية تُعرف بإسم “تحليل المواقع العريضة للجينومGenome-wide location analysis”، كشف Richard young من معهد Massachusetts للتقنية النقاب عن خلايا الخميرة التي تمتلك أكثر من 6000 جين في مادتها الوراثية. مكَّنت التقنية التي إستخدمها Young من التحديد الدقيق للمواقع الخاصة بالبروتينات المؤازرة لجزي RNA polymerase لإعطاء إشارة البدء بعملية النسخ. و حيث أنه تم إجراء التجارب على الخمائر بتعريضها إلى العديد من الظروف، فقد تمكَّن  Young من معرفة الإختلافات في نماذج عملية النسخ عندما تتعرض الخميرة لظروف صعبة، على سبيل المثال في حال وجود خلايا الخميرة في بيئة جافَّة أو النمو في وسط غني بالسُّكر.

و بعد نجاح هذه التقنية في الخمائر، فإن “يونج” تقدم خطوة أخرى بأبحاثه، إذ إستخدم مجموعة مختلفة من الوسائل التي إستخدمها على الخمائر لإختبارها على كامل الجينوم البشري في عينة صغيرة من الخلايا أخذت من البنكرياس و الكبد لأفراد مصابين بالنمط الثاني من مرض السكري. و تم إستخدام النتائج لتعريف الجينات التي لم يتم نسخها بالشكل الصحيح في الأفراد المصابين بالمرض. زوَّدت هذه المعلومات الباحثين بأدوات مهمَّة لفهم الكيفية التي يتأثر بها مرضى السُّكري و الأمراض الأخرى بالجينات المعطوبة. و عن طريق بناء نموذج لتوقع كيفية إستجابة الجينات في الحالات المختلفة، قد يكون لدى الباحثين القدرة على معرفة كيفية إيقاف أو تجاوز عمل الجينات التي عليها الطلب، و هذا قد يؤدي إلى تغير مسار المرض أو الحيلولة دون حدوثه.

بعد أن يتم قراءة الجين بواسطة إنزيم RNA polymerase و بعد عملية قص و لصق جزيء RNA ما الذي يحدث في الرحلة من الجين إلى البروتين؟

في الخطوة التالية يتم قراءة المعلومات المتاحة على جزيء RNA و تثبيت الوحدات البنائية للبروتينات معاً. يُطلق على هذه العملية “الترجمة Translation”، و يُعتبر الرايبوسوم و الأحماض الأمينية هم الأعضاء الفاعلين في هذه العملية. تعتبر الرايبوسومات من بين أكبر التراكيب الخلوية و أكثرها تعقيداً. فالرايبوسومات في خلية البكتريا لا تحتوي فقط على كميات كبيرة من جزيء RNA، بل أيضاً على أكثر من 50 نوع مختلف من البروتينات. إلا أن جزيئات الرايبوسومات لدى الإنسان تحتوي حتى كميات أكثر من RNA و من 70- 80 بروتين مختلف.

وجد Harry holler من جامعة كاليفورنيا، سنتاكروز، أن الرايبوسومات تؤدي العديد من الأدوار الأساسية عندما تقوم بترجمة الشيفرة الوراثية لجزيء mRNA. و مع دخول جزيء RNA عبر وحدة الرايبوسوم، يقوم الرايبوسوم بقراءة التتابع الموجود على جزيء RNA و يساعد في التعرُّف على و إستقطاب جزيئات RNA الناقلة (tRNA) التي تقوم بحمل الأحماض الأمينيَّة المطلوبة و المتطابقة مع الشيفرة على جزيء mRNA. كما يقوم الرايبوسوم بربط الأحماض الأمينية ببعضها البعض في سلسلة البروتين الآخذ في التمدد.

و لسنوات عدة، كان الإعتقاد السائد لدى الباحثين أنه و حتى إن كان الرايبوسوم يتألف في بعض أجزائه من مركب RNA، فإن الجزء البروتيني في الرايبوسوم هو من يقوم بمجمل العمل. إلا أن Noller  إعتقد بدلاً عن هذا أن من يقوم بالوظيفة الخاصة بالرايبوسوم هو RNA و ليس البروتين… لم يتم تقبُّل هذه الفكرة في البداية، ذلك أنه في ذلك الوقت كان الإعتقاد السائد بعدم قدرة جزيء RNA على القيام بمثل هذه الوظائف المعقدة.

بالرغم من ذلك، و في وقت لاحق، فإن الفكرة تغيرت. فقد إكتشف كل من Cech و Sidney altman من جامعة يال أن لجزيء RNA القدرة على القيام بالعمل المعقَّد بنفس الطريقة التي تقوم به الإنزيمات البروتينية.

أدَّى هذا الإكتشاف “دور جزيء RNA كإنزيم” إلى حدوث ثورة في عالم الأبحاث الجزيئية، كما منح ذلك الإكتشاف كل من Cech و Altman جائزة نوبل في الكيمياء عام 1989.

إستمر كل من Noller و باحثين آخرين في العمل المضني لفهم عمل الرايبوسومات. و في عام 1999 أوضح Noller كيف تتفاعل الأجزاء المختلفة للرايبوسوم البكتيري أحدها مع الأخر، و كيف تتفاعل الرايبوسومات مع الجزيئات التي تقوم ببناء البروتينات. منحت هذه الدراسات دليل قاطع على أن الآلية الرئيسية لعملية الترجمة تتم من خلال RNA و ليس من قبل البروتينات الخاصة بالرايبوسوم.

حسناً… لكن أي من جزيئات RNA في الرايبوسوم هي التي تقوم بالعمل؟ يعتقد معظم العلماء أن نيوكليوتيدات RNA مدفونة عميقاً داخل معقد الرايبوسوم، حيث موقع صفّْ جزيئات البروتين معاً. بالرغم من ذلك، أوضحت الدراسات التي أجرتها Rachel green التي عملت مع Noller، أن ذلك ليس صحيحاً. إذ إكتشفت جرين أن نيوكليوتيدات RNA هذه ليست متطلباً لتجميع البروتين. و عوضاً عن ذلك، فقد وجدت أن النيوكليوتيدات تقوم بشيء آخر مختلف تماماً… إنها تساعد جزيء البروتين الآخذ في النمو على الإنسلال من جزيء الرايبوسوم بمجرد إكتماله.

درس مئات من العلماء، بمن فيهم Noller و Green الرايبوسومات في البكتريا. لكن… لماذا علينا الإهتمام بالكيفية التي تقوم بها البكتريا بإنتاج البروتينات عبر جيناتها. إن أحد الأسباب التي تدعو للإهتمام بذلك هو رغبتنا في معرفة الطرق التي يتم من خلالها الإخلال بالنظام الأيضي للميكروبات المسببة للأمراض. على سبيل المثال من خلال إستخدام المضادات الحيوية مثل الإريثروميسين و النيوميسين التي تعمل عبر مهاجمة الرايبوسومات الخاصة بالبكتريا. هذه الرايبوسومات لدى البكتريا تختلف بشكل كافي عن الرايبوسومات لدى الإنسان بحيث لا تتأثر خلايانا بالعقاقير المستخدمة للقضاء على البكتريا.

و مع إستمرار تدفق المزيد من المعلومات حول عملية الترجمة في البكتريا، فإن هذه المعرفة قد تؤدي إلى إستحداث المزيد من المضادات الحيوية. إذ أن هناك حاجة مُلحَّة لمضادات حيوية جديدة و ذلك لأن العديد من البكتريا طوَّرت مقاومة للمضادات الحيوية الحالية. هذه المقاومة في بعض الحالات تكون ناشئة عن حدوث تغيرات في جزيء RNA الرايبوسومي للبكتريا.

قد يكون من الصعب إكتشاف هذه التغيرات الصغيرة الهامة التي ربما تؤدي إلى نشوء المقاومة. و لذلك، فمن الضروري إيجاد وسائل جديدة كلية لإعاقة عملية الترجمة لدى البكتريا. فالإستراتيجية التي تتبعها البكتريا تشتمل على عمل طفرات عشوائية في الجينات البكتيرية التي تؤثر على رايبوسوماتها. و لكن ماذا إذا أدت الطفرة إلى تعطيل الرايبوسوم لدرجة أنه يصبح غير قادر على تصنيع البروتين؟ إذاً لا يمكن عندها للبكتريا أن تنمو، و لا يمكن إيجاد هذه البكتريا. لكن بإستخدام خُدعة جزيئية زكية، تمكنت العالمة جرين من إيجاد طريقة لإنقاذ بعض خلايا البكتريا المصابة بخلل في الرايبوسومات و بالتالي يمكن لها النمو. ففي حين أن بعض البكتريا التي تم إنقاذها تمتلك تغيرات في RNA الرايبوسومي الخاص بها و الذي يجعلها مقاومة لأنواع معينة من المضادات الحيوية، فإن التغيرات الأخرى في جزيء RNA التي لا تؤثر على عملية المقاومة قد تكون هدف واعد لمضادات حيوية جديدة.

تطوُّر مذهل

إن إحد أهم الوظائف الهامَّة للبروتينات في جسم الإنسان هي التحكُّم في مراحل تطوُّر الأجنة.

لقد إكتشف العلماءمجموعة مهمَّة جداً من البروتينات التي تلعب دوراً في عملية التطوُّر من خلال دراسة الطفرات التي تؤدِّي إلى حدوث تشوهات خلقية في ذبابة الفاكهة. إن أشهر هذه الإختلالات هي ذبابة الفاكهة التي تمتلك أقداماً عوضاً عن قرون الإستشعار التي تنمو في الرأس. و بحسب Thomas C. kaufman من جامعة إنديانا في بلومنجتن، فإن هذه الأقدام طبيعية تماماً، فيما عدا أنها تنمو في المكان الخاطيء.

و في هذا النوع من الطفرات و العديد غيرها، فإن هناك شيء ما حدث بطريقة خاطئة في البرنامج الوراثي من شأنه أن وجَّه بعض الخلايا في الجنين على إتباع مسارات تطوريَّة، و التي هي عبارة عن سلسلة من التفاعلات الكيميائية التي تحدث بتتابع محدد. و في حالة الحشرة ذات الأقدام في الرأس بدلاً عن قرون الإستشعار، فإن الخلايا التي تنمو في رأس الحشرة، و التي يجب أن تتحول في العادة إلى قرون إستشعار، إعتقدت بطريق الخطأ أنها تنمو في صدر الحشرة. و لذلك توقعت أن تنمو إلى أقدام… و هكذا فعلت.

إن التفكير في هذه الحالة الغريبة لقن العلماء درساً هاماً، و هو أن البروتينات التي تصنَّع من قبل بعض الجينات يمكن أن تعمل كمفاتيح. و إن المفاتيح الخاصة بتحويل الجينات هي المسيطر الرئيس الذي يُعطي لكل جزء من الجسم بطاقة تعريف خاصة به. فإذا كان البروتين الذي يوجِّه الخلايا بشكل طبيعي كي تصبح قرون إستشعار، فإن الخلايا يمكنها إستقبال تعليمات جديدة كي تصبح أقداماً عوضاً عن ذلك.

تمكَّن العلماء من تحديد مجموعة مختلفة من الجينات، كل منها يمتلك تتابع شائع قادر على منح التعليمات الخاصة ببطاقة التعريف التشريحي هذه. تمكَّن “كوف مان” من عزل و وصف أحد أهم هذه الجينات، التي أصبحت تُعرف فيما بعد بإسم قرون الإستشعار القدمية أو Antennapedia. بعد ذلك بدأ كوف مان بالتقصِّي بشكل أكبر حول التركيب الجزيئي لجينات قرون الإستشعار القدمية. و في عام 1980 إكتشف كوف مان مع مجموعة أخرى من العلماء ما أصبح فيما بعد أحد أساسيات فهم عملية التطور إضافة إلى دور هذا الإكتشاف في بيولوجيا تطور نمو الكائنات.

فقد وجد العلماء تتابع قصير من DNA، يُطلق عليه Homeobox، و الذي لا يتواجد فقط في قرون الإستشعار القدمية، و لكن كذلك في عدد من الجينات و في عدد من الكائنات. و عندما وجد علماء الوراثة تتابع DNA مشابه جداً في جينات أنواع أخرى من الكائنات الحيَّة كان ذلك بمثابة حل لهذا اللُّغز، أي أن هذه الجينات لابد و أن تقوم بعمل شيء ما في غاية الأهمية و يلعب دوراً بحيث يحافظ على تتابعه خلال عملية تطوُّر الكائنات الحيَّة، مع حدوث بعض التغيرات الطفيفة في تركيبه مع نشؤء أنواع جديدة من الكائنات الحيَّة. و بشكل عاجل إكتشف الباحثون نسخة مشابهة إلى حدِّ كبير من تتابع Homeobox في DNA لمعظم الكائنات الحية التي تم إختبارها بإستثناء البكتريا.

لقد تم التعرُّف على مئات الجينات المحتوية على تتابع Homeobox، و ظهر أن البروتينات التي تُشفر لها هذه التتابعات الجينية لها دور في المراحل المبكِّرة للتطوُّر في العديد من الكائنات. فقد وجد الباحثون أن الإختلالات في تتابع هذه الجينات (Homeobox) يمكن أن يؤدي إلى ظهور أصابع إضافية لدى الإنسان.

أحمد مصطفى كمال البوَّاب

أخصَّائي طبِّي أوَّل- كلية الطب

 مُقدِّمة 

  

السرطان مجموعة من الأمراض التي تتطورعندما تبدأ الخلايا بالنمو خارج نطاق السيطرة. و بالرغم من وجود عدة أنواع من السرطان، إلا أنها جميعاً تبدأ كخلايا غير طبيعية خارجة عن السيطرة. خلايا الجسم الطبيعية تنمو، تنقسم، و تموت بشكل منتظم. في المراحل المبكرة من حياة الفرد تنقسم الخلايا بشكل أسرع حتى يصل الفرد مرحلة البلوغ. بعد ذلك، تنقسم معظم الخلايا في الجسم لتعويض الخلايا التالفة أو الميتة لإصلاح الضرر الناتج. و لأن الخلايا السرطانية تستمر في النمو و الإنقسام، فهي تختلف كلية عن الخلايا الطبيعية. و بدلاً من أن تموت، فإنها تستمر في تكوين خلايا جديدة غير طبيعية. عادة ما تنتقل الخلايا السرطانية إلى أجزاء أخرى من الجسم حيث تبدأ بالنمو و إستبدال الأنسجة الطبيعية. يطلق على هذه العملية الإنتشار metastasis. يحدث إنتشار الخلايا السرطانية عند وصولها مجرى الدم أو الأوعية اللمفاوية للجسم. عندما تنتشر الخلايا السرطانية، على سبيل المثال سرطان الثدي، إلى أعضاء أخرى كالكبد، فإن السرطان مازال يُعرف بسرطان الثدي و ليس سرطان الكبد.

Read More »

الأمراض المعديه أهم مسببات الوفاه على المستوى العالمي. ففي أفريقيا فقط تقدر منظمة الصحة العالميه أن هناك حوالي 100 مليون شخص يعانون من الإصابه بالملاريا. كما تجذب الأمراض المعديه الإنتباه في الدول المتقدمه لعدة أسباب:

 –         لتعريف ما يبدوا أنها أنواع حديثه من الأمراض المعديه مثل بكتريا Helicobacter pylori و السلالات الجديده من مرض Creutzfeldt-Jacob

 –         التغيرات في طبيعة الممارسات الإكلينيكيه وما ينجم عنها من تغيرات في طبيعية العدوى الموجوده في المستشفيات

 –         زيادة أعداد المرضى المحبطين مناعياً بسبب الإجرءآت الطبيه و مخاطر تعرضهم للعدوى بالميكروبات الإنتهازيه.

 –         الإعتقاد بأن بعض الأمراض تنشأ بسبب الجهاز المناعي عند إستجابته للميكروبات

 –         زيادة معدل الأمراض المترافقه مع السفر العالمي

 و في معظم حالات العدوى، فإن هناك حاله من الإتزان بين الآليات الدفاعيه للعائل و قدرة الميكروبات على تجاوز هذه الآليات.

Read More »

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 40 other followers